ظِلُّ الرجل الكاملُ.. ملحمة أليساندرو سبينا الليبية

 

ظِلُّ الرجل الكاملُ.. ملحمة أليساندرو سبينا الليبية

أندريه نفيس ساحلي

ترجمة: أحمد شافعي

بعد ثلاثة أشهر من وفاة أليساندرو سبينا في يوليو من عام 2013، أصدر ناشره الإيطالي إيلاريو بيرتوليتّي سيرة وصف فيها ما يشبه لقاءه الأول بالكاتب الذي اشتهر بعزلته: “كان ذلك في يونيو سنة 1993. تردّد رنين الجرس في أواخر الظهيرة، ثم لم تمض لحظات حتى دخل زميل مكتبي قائلا إن ’رجلا مرَّ بنا، وإنه أشبه بأمير عربي، طويل وسيم. ترك لك تاريخا للمارونيين’”. أجرى المحرر بعض التحريات فاكتشف أن سبينا ظل ينشر عددا من الروايات والقصص القصيرة منذ ستينيات القرن العشرين هي بمثابة تاريخ لليبيا منذ عام 1911 الذي قامت فيه إيطاليا بغزو الولاية العثمانية الغافية، وصولا إلى عام 1966 الذي أطلق فيه البترودولار شرارة طفرة اقتصادية، تفاقم على إثرها الفساد ومحاباة الأقارب تفاقمًا مهد الطريق في نهاية المطاف لانقلاب معمر القذافي العسكري سنة 1969. أنفق بيرتوليتّي، الذي يدير دار نشر مستقلة مقرها في بريشيا، خمسة عشر عاما ليقنع سبينا بالسماح له بإعادة نشر كتبه، أو جمعها بالأحرى في طبعة كاملة جامعة مؤلفة من 1250 صفحة تحمل بالإيطالية عنوان [I confini dell’ombra: in terra d’oltremare] أي “حدود الظل: في أراض وراء البحار” (مرسيليا 2007)، تضم ست روايات، ونوفيلا، وأربع مجاميع قصصية أوجزها سبينا ـ الذي لم يستقر على الشكل والعنوان النهائيين إلا في عام 2003، على النحو التالي:

هذه السلسلة من الروايات والقصص تتناول التجربة الإيطالية في برقة. تناقش “الماروني الشاب” (1971) حرب عام 1911 التي حرَّض عليها جيوليتّي وتروي “زفاف عمر” (1973) الهدنة التالية ومحاولة شخصين التوصل إلى تسوية قبل صعود الفاشية. وتؤرخ “زائر الليل” (1979) لنهاية المقاومة الليبية على مدار عشرين عاما، وتركز “حواديت الضباط” (1967) على انتصار الكولونيالية وإن يكن ذلك قد تحقق حينما باتت نهاية الهيمنة الإيطالية تخيم في الأفق فعليا وبدت الحرب العالمية الثانية أمرا محتوما، و”الكوميديا السيكولوجية” (1992) التي تنتهي بانسحاب إيطاليا من ليبيا وهروب المستوطنين. تركز “دخول بابل” (1976) على استقلال ليبيا سنة 1951، وتصور “ليالي القاهرة” (1986) أولى سنوات الملكية السنوسية وشبح القومية العربية القادمة، أما “ساحل الحياة الدنيا” (1997) فتدرس التغيرات السياسية والاجتماعية العميقة التي وقعت حينما اكتشفت احتياطيات النفط والغاز الهائلة في أواسط ستينيات القرن العشرين. من الممكن قراءة كل نص بمعزل عن البقية، أو بوصفه حلقة في سلسلة. وما ينجم من انطباع عن أي من خياري القراءة مختلف ـ لكن له القدر نفسه من المشروعية.

بعد سنة واحدة، حصل “حدود الظل” على أرفع جائزة أدبية في إيطاليا وهي بريميو باجوتّا بإجماع الأصوات. وكان ذلك إنجازا مثيرا للإعجاب، وبخاصة من كاتب أصر على إصدار كتبه في طبعات محدودة وتصميمات بسيطة نفدت جميعا بحلول أوائل التسعينيات. وبرغم ذلك لم تؤد لفتة الاحترام التي أبدتها جائزة باجوتّا إلا إلى تموجات هادئة لم تعدُ حوارا إذاعيا يتيما وحفنة مقالات حماسية وإقامة مؤتمر على شرفه لم يشارك فيه بالحضور. وفي ظل افتقار الكتاب إلى شخصية يستند عليها ـ حتى أن غلافه الخلفي خلا من صورة للمؤلف ـ انحسر الكتاب إلى المجهول، وبرغم أن سبينا يظل غير معروف كثيرا حتى في إيطاليا التي قضى فيها السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته، فإن “حدود الظل” ينتمي إلى فئة الروائع الكبرى من أمثال “آل بودنبروك” و”رجل بلا خصال” و”ثلاثية القاهرة”.

توفي سبينا قبل أسبوعين من إبرامي اتفاقية مع ناشر في لندن لترجمة إجمالي “حدود الظل”. فبتُّ وقد حرمت فرصة اللقاء به أمام مأزق: كانت ترجمة هذا السفر الضخم غداة وفاة مؤلفه تعني أن أي كلمة أكتبها تعقيبا على الكتاب ينبغي أن تتناول حياة المؤلف التي لم أكن أعلم عنها شيئا يذكر، عدا أن ’أليساندرو سبينا’ اسم مستعار تبنَّاه الكاتب سنة 1955 عندما نشر ألبرتو مورافيا قصته الأولى “الضابط” في مجلة (نوفي أرجومنتي). متحليا بتحفظ إنجليزي، ومتخفيا بأمان وراء اسمه المستعار، قضى سبينا نصف قرن يجتنب الأضواء، رافضا الدعوات للظهور العام أو لإجراء حوارات. فعلمت أنه لا عثور لمفاتيح إلا ما أنتخبه من الأعمال نفسها. فرجعت إلى الكتب أتصيد من “حدود الظل”، وإلى ثلاثمئة صفحة من يوميات كان سبينا يكتبها وهو يؤلف تلك الملحمة، وكذلك ثلاثة مجلدات من المقالات العبقرية، وبفضل زلات شبه طوعية من جانب سبينا، بدأت ببطء في تجميع حكاية.

ولد أليساندرو سبينا، أو باسيلي شفيق خزام بحسب اسمه الأصلي، في بنغازي في الثامن من أكتوبر سنة 1927 لأسرة من مارون حلب. رحل والده، وهو من أقطاب صناعة النسيج، موطنه الأصلي في سوريا، وهو في السابعة عشرة من العمر ليجرب حظه فحطَّت به الرحال في بنغازي عاصمة برقة، وكانت آنذاك مدينة قوام سكانها عشرون ألفا من الترك والعرب تتحلَّق من حولها خيام البدو ـ وكان وصوله إليها بعد أسابيع قليلة من توقيع إيطاليا والإمبراطورية العثمانية معاهدة أوشي. أبرمت المعاهدة في أكتوبر من عام 1912 وكانت نهاية 360 عاما من الحكم العثماني وثلاثة عشر شهرا من الحرب وأسست رسميا حيازة إيطاليا لطرابلس وبرقة. لحقت إيطاليا متأخرة بالتدافع الأوربي على أفريقيا، فظفرت بإريتريا والصومال في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، بعد قرابة عقدين من الاضطراب بسبب تناحر الإقطاعيات، وكانت إيطاليا تسعى منذ وقت طويل إلى وضع يدها على الكورتا سبوندا quarta sponda أي الساحل الرابع. وفي نهاية المطاف، كان الساحل الليبي ـ وآخر ما بقي في أفريقيا من أراضي الإمبراطورية العثمانية التي كانت على حد تعبير بارون إيفرسلي قد اعتادت على “اقتلاع الولايات منها بانتظام، كأنها الأشواك من شجيرة ـ يقع على بعد ثلاثمئة ميل جنوبي صقلية. وفي ظل اختمار الاضطرابات في البلقان واستشعار أن رجل أوربا المريض يلفظ أنفاسه الأخيرة، اقتنص الطليان فرصتهم. وإدراكا منهم لأنهم سوف يقنعون في النهاية ببحرية معاقة وحفنة كتائب سيئة العتاد، سلموا إنذارا في سبتمبر من عام 1911، وتم إنزال جنودهم في أكتوبر، وبحلول شهر نوفمبر، كان بالإمكان رؤية علم إيطاليا مثلث الألوان يرفرف أعلى كل مدينة كبيرة على الساحل الليبي.

غير أن المهمة التي كان ينتظر أن تكون يسيرة تكشفت عن تمرد دام عشرين عاما ولم يقمعه إلا وصول الفاشيين إلى الحكم في روما وإرسال موسوليني – في محاولة لحل مشكلة الهجرة في إيطاليا – أحد أقسى قادته وهو الكريه رودلفو جرازياني (1882-1955) لإخضاع الكورتا سبوندا و”إفساح مكان” لإقامة مستعمرات. ونجمت عن ذلك إبادة جماعية: إذ قتل ثلث سكان برقة، واعتقل عشرات الآلاف في معسكرات الأسرى، وأقيم سياج من السلك الشائك بامتداد ثلاثمئة ميل على الحدود مع مصر لمنع المتمردين من تلقي الإمدادات والتعزيزات، وطورد قائد المقاومة ومعلم القرآن الجليل المعروف بعمر المختار (1858-1931) حتى اعتقل وشنق بفجاجة، وهي القصة الآسرة التي صوَّرها ببراعة فيلم “أسد الصحراء” [Lion of the Desert] (1981) حيث لعب أوليفر ريد وأنطوني كوين على الترتيب دوري جرازياتي والمختار، ومنع عرضه على الشاشات الإيطالية لسنوات عديدة.

في عام 1939، وقد بلغ سبينا الثانية عشرة، ضمت إيطاليا ليبيا رسميا، وبحلول ذلك الوقت شكَّل المستوطنون الإيطاليون 13% من السكان وأكثر من ثلث سكان طرابلس وبنغازي وهما مركزا السلطة الإيطالية. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، أرسل والد سبينا ابنه إلى إيطاليا ليبقى فيها حتى عام 1954. اتسم وجوده في أول الأمر بالتنقل بين بوسترسيزيو وبلدة سالسوماجيوري الشهيرة بينابيعها، وأخيرا استقر سبينا ووالدته في ميلانو حيث أصبح مولعا بالأوبرا، وقد شاء الحظ أن يكون الفندق الذي نزلا به، وهو فندق مارينو على ساحة بيازا ديلا سكالا، مواجها للتياترو مباشرة. وفيما هو في ميلانو درس سبينا، الذي كان قد أصبح طلقا في العربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية، على يد ماريو ماركازان، وكتب أطروحة عن مورافيا وبدأ مسودة أولى قصصه: في نسيج خصب من التاريخ والقص والسيرة يصور نطاقا كوزموبوليتانيا من الشخصيات، من ضباط إيطاليين، ومتمردين سنوسيين، وموظفين عثمانيين، وسيدات جليلات مرحات، وصيادي سمك مالطيين، وأرستقراطيين، وخدم، وعبيد. غير أن سبينا يصف كل فئة بمثل ما يرسم البقية من براعة وتعاطف وحميمية، وذلك جزئيا بفضل مزيجه الخالص من الفتنة السردية الشرقية والشغف بتلخيص طريقة كاملة من طرق الحياة على نحو فيه كثير من القص الأوربي في القرن التاسع عشر، مفرقا بذلك بين الوجد والتواجد.

ربما ما من مثال على هذا التوازن يفضل (قلعة ريجيما) وهي من أولى المجموعات القصصية في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يتلقى النقيب فالنتيني أمرا بالتوجه جنوبي بنغازي لتولي قيادة حامية متمركزة في حصن عثماني قديم يذكرك “بالقلاع التي أقامها في اليونان الفرسان ممن انضموا إلى الحملة الصليبية الرابعة”. يسعد فالنتيني بالرحيل عن المدينة ومواكبها العسكرية المضجرة في زمن السلم، لكن فيما هو في السيارة الماضية به إلى موقعه الجديد، ينهال على عقل فالنتيني بغتة طوفان من أسماء الصليبيين المشاهير الذين

“غزوا القسطنطينية، وأقاموا الإمبراطوريات وهدموها، وأحالوا الإمبراطورية إلى إقطاعيات، وكرُّوا وفرُّوا عبثا وهم يقاتلون للإبقاء بقاء نظام، لم يكن له من جذور في البلد، فلم يكن مقدورا له البقاء أبدا”.

بخمسمئة كلمة فقط، يشرِّح سبينا سبعمئة سنة، فاضحا عبثية الغزو، والفراغ الوجودي الذي يتحتم أن يتركه في غداته: “وفيما يرتج داخل مركبته المصفحة، بدا للنقيب أنه من القسوة إرغامه على خوض الهراء نفسه الذي مضت عليه قرون كثيرة”. فيوحي سبينا أننا قد نتطور على صعيد العبقرية التكنولوجية، ولكننا نتطور بالقدر نفسه على صعيد الجهل التاريخي. وليس من قبيل المصادفة أن جمع سبينا هذه الكتابات تحت عنوان “حواديت الضباط”. فما من ليبي واحد يظهر هنا وهذا جزء من المغزى: وجزء من انتقاد سبينا الحاد لرفض إيطاليا الكولونيالي مجرد الاعتراف برعاياها من أبناء البلد. والحق أن الإيطاليين بمرور هذه السنين كانوا قد ازدادوا ثقة في سيطرتهم دونما منازع على الكورتا سبوندا، حتى أنهم ضموا الولاية رسميا إلى إيطاليا في عام 1939، وشكلوا بحلول ذلك الوقت أكثر من ثلث السكان في مدن ليبيا وباتوا يمتلكون أراضي شاسعة في المناطق الداخلية من البلد.

ومن يألف روايات الوجود البريطانية خلال حكم الراج للهند سيدرك حميمية المناظر المسرحية التي يهيئها سبينا لقرائه وهو يؤرخ لحلقة من تاريخ إيطاليا تكاد تكون محيت من ذاكرة البلد الجمعية. يقف الزمن ساكنا أتم السكون في بنغازي كما تظهر عند سبينا بينما النساء يثرثرن ويخوض أزواجهن في حديث الحرب. تتناثر في طرق المدينة الواسعة مقاه تحتوي نمائم الناس وعزف الفرق الموسيقية، لكن الرواة عند سبينا غالبا ما يجوبون بالقارئ في الأطلال اليونانية بالمنطقة المحيطة، وهي بقايا الدول المدن القوية الغابرة في (المدن الخمس الليبية) Libyan Pentapolis. شاسعة هي اللوحة عند سبينا: تصور قصصه السيدات الجليلات المتعجرفات، ورجال الصناعة، والأرستقراطيين، والساسة، والثوار، والخدم، والموظفين، والبغايا، والخياطين، ورجال الشرطة، ومعلمي المدارس، والشعراء، والموسيقيين، والأوغاد، سواء في الزي العسكري أو في سواه.

يكتنز هذا القسم من ملحمة سبينا عن جدارة بحس عسكري، فقد كان العسكر في نهاية المطاف هم الذين يتولون أمر ليبيا الإيطالية، وبذلك، تدور قصص كثيرة في نادي الضباط، حيث ينام الجنود بعضهم مع زوجات بعض، ويتآمرون ويدبرون، ويستعرض المستعرضون، ويأكلون، ويشربون، ويتفلسفون ويتناقشون في فرص إيطاليا في الحرب الوشيكة، منعَّمين بغفلتهم عن أن وجودهم المفتعل في تلك الأرض المغزوة سرعان ما سيتلاشى دونما أثر. والعسكر عند سبينا يمثلون تمام التمثيل مفهومه لـ”الظل”: فعقولهم مسكونة بعتمة المشروع الكولونيالي المثيرة للجنون التي لم تزل تخيم على عصرنا برغم أنه في ما يفترض هو العصر ما بعد الكولونيالي. وتتضافر رواياته بأكثر من استعارة واحدة، فقد يكون تأويل ظل سبينا بأنه مجاز يكشف كيف أن حضور إيطاليا في ليبيا كان في الآن نفسه مرئيا بسبب قسوته وأثيريا لسعيه إلى الحكم فقط، لا إلى الاندماج. والظل في نهاية المطاف هو الحياة نفسها أيضا: مبهم غامض. وسبب غموضه أن التاريخ شهد عجزنا مرارا وتكرارا عن تصور الكامن من وراء ما نرى، وما يجاوز أفق حياتنا المارقة وتجاربنا سريعة الزوال.

في نهاية الحرب العالمية الثانية، تخلت إيطاليا عن مطالبتها بليبيا، فبات يديرها البريطانيون حتى عام 1951 عندما استقلت تحت حكم الملك إدريس الأول. رجع سبينا وقد بلغ من العمر ستة وعشرين عاما ولما يجف بعد الحبر على شهادته الدراسية إلى بنغازي في أغسطس من عام 1953 ليساعد في إدارة مصنع أبيه المسن. وبرغم أنه كان يعمل لاثنتي عشرة ساعة كل يوم، كان بطريقة ما يجد الوقت ليكتب ويوصد على نفسه غرفة مكتب أبيه ذات الشبابيك المطلة على فندق من القرن الرابع عشر. آمن سبينا على مدار حياته إيمانا راسخا بأنه اكتسب انضباطه لا برغم كونه رجل صناعة وإنما بسبب ذلك، بمثل ما كان تولستوي يأبى أن يترك ياسنايا بولايانا ليبقى وسط أهله ومصدر إلهامه الأساسي. في وقت فراغه، كان سبينا يتناول نسحة من “الزمن المستعاد”Le Temps retrouvé  يحتفظ بها دائما بجواره، أو يبعث رسائل إلى أصدقائه كثيرا ما احتوت لآلئ مستخلصة من التحولات التي يجتازها بلده:

“سليل شاب للأسرة المالكة ـ ’من الأرفع أرومة’ كما كان يمكن أن يقول هوفمانشتال ـ هو حفيد الملك السابق الذي أطاح به الملك الحالي، مات في حادث سيارة. وفي طريق العودة إلى مخيمه الصحراوي بعد أداء واجب العزاء، تعرض أحد أبناء عمومة الملك لتصادم أجهز على حياة والدته، وزوجته، وأحد أبنائه (ولم يزل في العناية الفائقة بالمستشفى). وقد ذهبت لتقديم العزاء. الأمير رجل شديد الوسامة، في قرابة الستين من العمر. شديد الطول، بشرته حليبية البياض، ويطلق لحية قصيرة فيها نزر من الأرستقراطية. دار بيننا الكلام حتى انتهى إلى الحادثة. فقال الشيخ (الذي لم تزل رؤيته القروسطية للعالم على حالها لم تنخدش) ’هل السيارات مركبات لهذا العالم أم العالم الآخر؟’”

26 يوليو 1963

خلال العقد الأول لاستقلال ليبيا، أكمل سبينا أولى مجموعاته القصصية، ونشر رواية “الزمن والانحلال” (جارزانتي، 1962) حول أيامه في ميلانو، وعمل على ترجمة “مدينة النحاس” (شيويلر، 1963) وهي حكاية مستلة من “ألف ليلة وليلة” غير أن سبينا لم يسر واثق الخطى حقا إلا في عام 1964 حينما بدأ تأليف أول الكتب التي يتألف منها “حدود الظل”. أنتج سبينا في الفترة من 1964 إلى 1975، ولعلها أخصب عقوده، “الماروني الشاب” (1964-1972) و”زفاف عُمَر” (1970-1972) و”زائر الليل” (1972) و”مدخل إلى بابل” (1973-1975) وهي جميعا ـ وإن تناولت تنويعة من الأماكن في ميلانو أو باريس أو القاهرة ـ تدور أساسا في بنغازي التي تمثل مركز الانطلاق في “حدود الظل”.

تبدأ “الماروني الشاب” ـ وهي الفصل الأول في ملحمة برقة ـ في نوفمبر من عام 1912. إذ حصَّن الغزاة الطليان الجدد أنفسهم داخل بنغازي وتابعوا في توتر الليبيين وهم يحشدون قوتهم في الصحراء ويبدأون حرب عصابات باسلة ضد الغاصبين. في الأثناء نفسها يصل إلى المدينة إيميل تشاباس، وهو تاجر ذكي شاب من القاهرة شخصيته مستلهمة من والد سبينا، ومعه شحنة بسيطة. ولكن إيميل يقف على قدميه بفضل لقائه مصادفة بالحاج سمريت أفندي وهو من أثرى أثرياء البلدة ونبيل عثماني سابق يأخذ بيد إيميل ويساعده في انطلاقته، بل ويقرضه خادما من خدمه يدعى عبدالكريم. وبرغم أنه تقنيا بطل الرواية الرئيسي، فإنه لا يخرج من ظل سمريت حتى مرحلة متأخرة من الرواية. والصورة التي يرسمها سبينا لسمريت آسرة للقارئ على الفور:

شغل [سمريت] في إسطنبول العديد من الوظائف العامة بشرت بمستقبل وظيفي برَّاق، ولكن بعد الكشف عن مكيدة، خيَّم عليه ظل التآمر وأفضى إلى سقوطه. فانسحب إثر ذلك إلى مستنقع مغمور في ولاية بعيدة وسرعان ما طواه النسيان. […] كان عظيم الطول مخيف الوجه. انفجرت على مقربة منه عبوة بارود خلال حملة عسكرية فتركته مشوها إلى الأبد. لم يبق من شعره إلا بضع خصلات قليلات يختلط فيها لونان. وكانت تنبعث من غضون جمجمته رائحة كريهة. كانت به جدية فطرية وهيبة تفرض على كل من يكلمه أن يجبن ويتردد. كان ذلك أشبه بعمل من السحر يفصله عن كل من عداه، لكنه كان ضحية له لا سلطانا عليه مثلما ظن به الناس.

يتناول القسم الأول حب سمريت لزلفي من طرف واحد، وزلفي هي صغرى زوجاته الأربع، وهي التي تخونه لاحقا مع فرديناند اليتيم الذي نشأ في بيته. وبرغم أن سمريت يبذل أقصى جهده ليقي العاشقين من الأقارب المطالبين بعقوبة الدم، تفرض التقاليد في النهاية القتل باسم الشرف وتحتِّمه: ويضطر السياسي الهرم إلى مشاهدة طعن فرديناند وإغراق زلفي. دونما علم من سمريت، تحظى مأساة أسرته بمتابعة حثيثة من ضابطين إيطاليين، تائهين في أرض معادية عنيفة، بعد أن وصلا وهما يظنان أنهما سيلقيان ترحاب المحررين، يحاولان أن يتشبثا في أي شيء عسى أن يفهما البيئة الجديدة المحيطة بهما. ومن بين الجميع، فإن الضابطين مرة أخرى هما اللذان يحاولان بصورة ممنهجة أن يفهما العالم الغريب المحيط بهما، لكن النتيجة لا تكون إيجابية مطلقا، وربما لا عجب في هذا. وها هو النقيب رومانيو يحمل على مغامرة إيطاليا الأفريقية خلال حفل سواريه في ميلانو خلال إجازة له هناك:

كما أن للغة نفعها في المكان الذي تنطق فيه ولكنها تكون عديمة الجدوى خارجه، فهكذا هي قيم أوربا الأخلاقية الليبرالية التي لا تمتد إلى أي مكان جنوبي البحر المتوسط. لا يكاد المرء يصل إلى الشاطئ الآخر، حتى يؤمر بعمل النقيض المباشر لوصايا الرب: اقتل، اسرق، جدِّف… فور أن منيت الحامية التركية بالهزيمة واحتُلَّت مواقع أساسية قليلة على الساحل، وجدنا بلدا شاسعا مجهولا يمتد بين أيدينا، ونخشى المغامرة بولوجه. فانغلقنا على أنفسنا داخل المدن في انتظار طلوع النهار. فإذا بالليل، بدلا منه، يزداد عمقا وعتمة وإهلاكا ويعج بالشياطين.

وبرغم أن بعض الأجزاء الأولى من كتاب سبينا “حدود الظل” قد لفتت شيئا من الانتباه في أواسط السبعينيات، وبرغم وصول العديد منها، كـ”الماروني الشاب”، إلى القوائم القصيرة لجائزتي ستريجا وكامبيلو، فقد بدأ حضوره في ليبيا يخفت باطراد، وبخاصة بعد تأميم مصنع أبيه سنة 1978. إذ شهدت السنوات التالية لانقلاب القذافي قيام الطاغية بطمس الصبغة الأجنبية في ليبيا، وقد بدأ ذلك سنة 1967 بترحيل آلاف الأسر اليهودية، وعام 1970 بطرد والمستعمرين الإيطاليين. وهكذا، وهو في الخمسين من العمر، شهد سبينا العالم الإيطالي العربي العثماني الذي ولد فيه يتلاشى إلى العدم. وفي حين لم يفسد هذا عمله، فلا شك أنه ترك أثرا على نشره. ومثال ذلك أنه على الرغم من أن سبينا كتب “زائر الليل” في غضون أشهر قلائل من مطلع 1972، فقد أخَّر نشرها حتى عام 1979 تفاديا لما كانت لتلقاه من تدقيق في السنوات المضطربة الأولى من حكم القذافي التي تعرض فيها المعارضون ـ ومنهم عدد من أصدقاء سبينا ـ للمداهمة والاعتقال. في ما بين رواياته، كتب سبينا أيضا “سقوط الملكية”، وهو كتاب تاريخي على غرار توكفيل يحلل الأحداث المفضية إلى انقلاب القذافي، وتنفيذا لرغبة سبينا، لن يصدر هذا الكتاب إلا بعد وفاته. وزِّع الكتاب سرا بين أفراد مجموعة منتقاة من المعارف، ولفت انتباه جهات أمنية، ولما غادر سبينا ليبيا إلى الأبد سنة 1980، اضطر إلى تهريب المخطوطة إلى الخارج في الحقيبة القنصلية الفرنسية. آمنا من أن تطاله أيدي رجال القذافي، أقام سبينا في باريس، وتقاعد أخيرا في فيلا من القرن السابع عشر في بادرنيوني في قلب مقاطعة لومبارد المشهورة بالنبيذ، حيث خصَّص تقاعده اللطيف لإكمال “حدود الظل”، محافظا، كدأبه دائما، على خصوصيته.

مثل جوزيف روث، وهو الآخر مؤرخ راسخ لإمبراطورية منهارة، دأب سبينا منذ يفاعته على إحياء عالمه الضائع على الورق، ضامنا بذلك له البقاء في وعينا الجمعي. وفي حين تركز الروايات التاريخية عادة على قيام وانهيار طبقات معينة، فإن القليل للغاية منها (ومن أبرزه رواية مسيرة راديتسكي لروث) هي التي تقتنص الإثارة الحيرى التي تجعل حتى الأرض التي تطؤها هذه الشخصيات ترتعش بمشاعر غير منتظمة. ومثلما قالها شاتوبريان ذات مرة: “في أي مجتمع يتحلل ويتشكل، يكون الصراع بين عبقريتين، والصدام بين الماضي والمستقبل، والمزيج بين قديم العادات وجديدها، هو الذي يشكل الخليط الانتقالي الذي لا تمازجه لحظة واحدة من ملل”. تلك المفاصل الزمنية المارقة هي التي تسري في نثر سبينا الراقي مصحوبة بحس مغامرة جامح. وفضلا عن كونه الشخص المناسب لهذه الوظيفة، وجد سبينا نفسه أيضا في المكان المناسب وفي الوقت المناسب: فهو عربي مسيحي مولود في أوج سلطة استعمارية، دعم تعليمه الغربي بمعرفته الحميمية بالليبيين وعادات الشرق الأوسط وتاريخه فأنتج الملحمة الوحيدة عديدة الاجيال عن التجربة الأوربية في شمال أفريقيا.

غير أنه على الرغم من الظفر بمعجبين متنوعين من أمثال كلاوديو ماجريس، صديقه الصدوق، وجورجيو باساني وروبرتو كالاسو، كان سبينا بين الحين والآخر يعرب عن دهشته من اللامبالاة المطلقة بأعماله، أو موضوعاته بالأحرى. وبالقرب من نهاية يومياته، يتذكر لقاء عارضا في أوائل الثمانينيات في افتتاح مسرحية بالشاعر فيتوريو سيريني قدمه فيه إلى زوجته بقوله “هذا يا حبيبتي هو أليساندرو سبينا الذي يحاول أن يشعر الإيطاليين بالذنب تجاه جرائمهم الاستعمارية، بلا جدوى طبعا”. ولم يكن ذلك مفاجئا بالطبع. فحينما طلب سبينا نصيحة مورافيا بشأن مشروعه في عام 1960، نصحه مورافيا بالعدول عنه، قائلا إنه ما من أحد في إيطاليا ليبدي به اهتماما وذلك لجهلهم التام بماضي البلد الاستعماري. ولعل قراء القرن الحادي والعشرين يحسنون صنعا إذا ما أصاخوا السمع لتحذير سولجنتسين من أن “شعبا لم يعد يتذكر إنما هو شعب فقد تاريخه وروحه”. ومع ذلك، على المرء أن يضحك كلما أمكنه ذلك: خلال حرب ليبيا الأهلية، كثيرا ما ووجه سبينا من الصحفيين المتلهفين على التصريحات بمطالبات كان يرفضها كل مرة، ومع ذلك لا أكاد أشك في أن تزامن إعلان الحرب رسميا بعد مئة عام من اليوم الذي غزا فيه الطليان مدينته الحبيبة بنغازي كان يحمله على الابتسام.