البي بونا والصولفيج

في الصف السادس دخل علينا مدير المدرسة محمد النعمي رحمه الله برفقته أستاذ آخر. خرج المدير مودعا الأستاذ الآخر الذي التفت إلينا. شخصية كرزمية قامة طويلة حاد النظرة ملامح سمراء وسيمة وأناقة إيطالية بجدارة. أمر أول تلميذ بالوقوف ثم أمره بتسميع النشيد الوطني يا بلادي. التلميذ لم يكن موفقاً. أمره بالجلوس وقال لنا هذا “طبيخة”. فانفجرنا ضاحكين. هكذا كل تلميذ يقف ولا يحفظ النشيد يسمى طبيخة. أنا لم أكن طبيخة وكذلك بعض زملائي لأننا أصلا في الكشاف ولأننا كنا في ركن الأطفال. نجحنا من أول حصة. وفزنا باسم زّهَرْ “ماء زهر الليمون” الذي تشتهر به طرابلس. يعني الذين لا يحفظون طبيخة والحافظون زهر.

ذلك كان الأستاذ عبد الله لطفي آدم ألف رحمه الله، الذي في الصورة هنا، أستاذ الموسيقى في مدارس طرابلس. لكن زيارته لنا كانت لغرض آخر. إذ أنه يجمع الذين لديهم أصوات جميلة ويستطيعون الإنشاد من كل مدارس طرابلس. في صيف 65 وبينما كانت أغنية “حبك نار” لعبد الحليم وأغنية نوري كمال “نار والله نار” تصدحان في حر شهر يوليو. جلسنا في إحدى فصول مدرسة طرابلس الإعدادية ربما ثلاثون صبيا لنتعلم قراءة النوتة والإيقاعات الموسيقية. كان الكتاب المقرر علينا وهو مشهور في العالم أجمع اسمه بي بونا ولغة الموسيقى المكتوبة تسمى الصولفيج. سمعنا هذين الاسمين في اليوم الأول. كان علينا أن نشتري الكتاب! وهذه تحتاج إلى خطة! كيف ستطلب من أسرتك أن تعطيك ثمن كتاب؟ ونحن في ذلك العمر نجمع معا مبلغا لشراء مجلة ميكي أو سمير لتدور بيننا. إذن الأسرة ليست سبيلاً خاصةً أن معظم الأسر تعتبر تعلم الموسيقى أمرا غريبا يصل إلى درجة العيب. وجد كل منا سبيلاً آخر والذي لم يجد ترك الفصل. لكنهم سلموا لنا نسخا مجانية بعدها بأيام وهكذا انتهت مشكلتي وكان الانتظار سبيلي، كان في شارع الاستقلال حيث محل خاص بالآلات الموسيقية وملحقاتها يملكه إيطالي عجوز مزاجه سيئ اسمه أندريا. كان محله تحفة. يبيع آلات موسيقية غالبا يبيع للشرطة والجيش وعندما وصل الجيش إلى الحكم، اختفى أندريا وأصبح الفنان سلام قدري صاحب المحل. من أندريا كنا نشتري دفاتر مخططة لكتابة النوتة. كانت الدروس تحمل أرقاماً وإذا حفظت الدرس تترقى للدرس الذي يليه. البعض ترك الفصل لعدم التقدم. مدرسان ما يزال اسمهما عالقا في الذهن “عمر خليفة” و”ابالقاسم النائلي” وكانا متفانيين في تعليمنا. كلاهما من فرق الشرطة الموسيقية.

من الصعوبات التي واجهتها هي إخفاء هذا الأمر عن أسرتي. كان لا بد من إخفاء كتاب باسكولي بونا أو البي بونا والكراسات التي ترافقه. أخفيتها في أمكنة عديدة لكن في إحدى المرات أخفيتها تحت فرش الجلوس أرضا “المندار” ولحظي السيئ اكتشفها أبي في لمح البصر.

كم تفاجأت عندما فتح أبي الكتاب وبدأ يقرأ في النوتة الموسيقية والإيقاع. يا للهول أبي الذي كنت أخفي عنه كتابي ها هو يقرأ كتابيا. واكتشفت أنني كنت أتعلم القراءة على مفتاح صول الشهير 🎼 وأبي يقرأ على مفتاح “فا” غير الشهير. مفاجأة لم أتخيلها. حكى لي أبي أنه تعلم الموسيقى في صغره في مكتب الفنون والصنائع وأنه كان يعزف آلة الترمبون ومن هنا تعلم المفتاح الموسيقي “فا” الذي تستخدمه هذه الآلة النحاسية الضخمة ذات الصوت عميق القرار الباص. المفاجأة سرعان ما تحولت إلى سبب في تقدمي في دروس البي بونا إذ كنت أحفظ الدرس والاثنين والثلاثة بإشراف أبي رحمه الله. في آخر الفصل اختار كل واحد منا الآلة الموسيقية التي يرغبها. اخترت أنا الساكسفون.

“ربما لأن في واقع الحياة عندما يحمل شابا صغيرا حقيبة آلته الموسيقية فإنه سيختلف عن باقي الناس.” هذه كانت الجملة في مقدمة كتاب “هذه هي الأوكسترا” الذي استعرته من المركز الثقافي الأمريكي. ومن كثرة المرات التي استعرته فيها قرر أمين المكتبة أن أحتفظ به تشجيعا من إدارة المركز. وبالفعل احتفظت به حتى احترق من ضمن ما احترق من مكتبتي في حرب 2014. كانت المراكز الثقافية منارات في طرابلس. كنا نذهب إليها للقراءة واستعارة الكتب والمجلات. وكان المركز الثقافي الأمريكي بمكتبته المتنوعة وسهولة استعارتها ومعاملة أمناء المكتبة أفضلها. أما مكتبة الأوقاف كانت وجه حضاري لطرابلس ومحطة ثقافية هامة في تاريخ جيلنا المتعطش للمعرفة. فهي تقع في قلب ميدان الشهداء أمام القلعة ولكنها الآن موقف سيارات!

أهلتنا ليالي طويلة وشهورا طويلة من التدريب للانضمام إلى الفرقة المركزية للموسيقى التابعة لوزارة التربية والتعليم. تلك الفرقة التي أسسها الأستاذ عبد الله آدم قبل ذلك بعام. انظم عددنا القليل الذي لا يتجاوز العشرة. كان من قبلنا من أبناء جيلنا قد أتقنوا العزف على آلات موسيقية مختلفة منهم عازف الترمبيت مصطفى زغوان وشقيقه بشير على الكلارينيت وعلي عازف الإيقاع الموهوب. وكان هناك عازف الساكسافون المرحوم عياد الكريكشي الذي أمضى سنوات طويلة عازفا مرموقا في فرق موسيقية بأوروبا كذلك عازف الكمنجة العبقري أنور شاهين الذي احترف الموسيقى عازفا في أوركسترات إيطالية حتى وقتنا هذا. صارت الموسيقى والفرقة جزءا من حياتنا اليومية. يوميا من السابعة إلى التاسعة مساء مشيا على الأقدام إلى شارع المأمون من عدة أحياء. كل فرد بآلته الموسيقية يتدرب وحده في فصل من فصول المدرسة. وتدريبات وبروفات يومية على موسيقى غريبة عنا لكنها عالمية كما يسمونها. إذ كان أستاذنا عبد الله يعلمنا القطع الموسيقية الكلاسيكية كل ليلة صيفا وشتاء من موسيقى برامس إلى تشايكوفسكي إلى جوهان ستراوش وفيردي. كانت مقطوعة يوهانس برامس الرقصة الهنقارية من أجمل ما عزفنا وقطعة صعبة ومتغيرة الإيقاع لكن لأننا كنا نعشقها تصارعنا معها حتى أتقناها. بالموسيقى والشعر صرنا عائلة واحدة. بل صرنا نسمي فرقتنا بالعائلة الموسيقية المركزية. كنا نقدم حفلات بمناسبة أعياد الاستقلال ومناسبات أخرى في طرابلس وفي المدن القريبة.

لعل سنة 1968 كانت السنة الأخيرة التي كانت فيها ليبيا دولة طبيعية عادية تلك السنة التي زارها جون بول سارتر وأصبح الدكتور عبد الرحمن بدوي أستاذا في جامعتها ببنغازي. والسنة التي رأت علي ماهر وفرقة المالوف بقيادة حسن عريبي، ورأت الصادق النيهوم وعمرو النامي رحمهم الله جميعا. سنة بدأت الأفكار تتباين ونحن نقرأ ونراقب. جاء عيد الاستقلال وأعددنا له حفلا مختلفا. في هذا الحفل لن نعزف موسيقى غربية فحسب بل أيضا موسيقى شرقية تمثلت في أنت الحب لعبد الوهاب وموشح العذارى المائسات لسيد درويش ونوبة مالوف شوقي دعاني للشيخ اقنيص.

الأهم بالنسبة لي كانت فقرة عزف منفرد لي أرتجل فيه على العود. قيل لنا إنه سيكون على رأس الحاضرين رئيس الوزراء. اهتمت الوزارة بنا وفي أحد الأمسيات حضر إلينا مدير تعليم طرابلس الأستاذ الأزهري أحمد انبية رحمه الله. زيارة مخيفة! لكنه كان من اللطف والسماحة بحيث جعل هذه الزيارة قصة طريفة عندما أعدتها له بعد سنوات طويلة وضحك كثيرا، وهي أنه جلس أمامنا وقال ما تطلبون؟ سؤال نادر في ليبيا! طلبنا آلة بيانو وقد كان… وقفت أنا أطالبه بزي موحد للفرقة. كانت مفاجأة له. صمت قليلا ورد مبتسما “توتات موحدة، عفريتات يا عفاريت.” وقد كان.

وجهونا إلى مكتب الفنون والصنائع وقام معلمو الحياكة وطلابهم بعمل رائع وجميل وأصبح لدينا زيا جميلا لكل أفراد الفرقة التي اتسعت لتشمل ممثلين مسرحيين ومنشدين حتى أصبحت الفرقة المركزية للموسيقى وجهاً حضارياً. كنا نستعد للحفل الكبير عيد الاستقلال سنة 1968 الذي كان سيحضره جمع كبير من الناس في مسرح سينما الغزالة (المفقود مبناه ومعناه الأن).