“مقتطفات من “حدود الظل

 

مقتطفات من “الساحل الرابع”، الجزء الثاني من “حدود الظل”

ترجمة أحمد شافعي[1]

 

مناورات عسكرية

“لا أعرف إن كنت رأيت أي مقابر عتيقة في هذه الجبال. هذه المقابر أيضا لمقاتلين، مرتزقة احتفى التاريخ بأفعالهم. جاءوا من الشرق ومقابرهم تعيّن المسارات الدقيقة لرحلتهم. اقتفيت خطاهم في الوجهة المعاكسة قبل ستة أشهر بالتمام والكمال. واضطررت إلى التوقف عند حدود المستعمرة، بدلا من اقتفاء آثار هذا النهر العظيم حتى منبعه: حجر الحجاز الأسود، مكة الحجيج الأتقياء. ومن أسف أن تعيَّن عليَّ إيقاف رحلتي قبل ذلك بشوط كبير. ولكنني لا أملك إيقاف رأسي عن التفكير في ذلك القطاع الطويل من القبور. في أيام مثل يومنا هذا، حينما أسمع صيحة الحرب من القيادة العامة، أرى قطاعا آخر من القبور، يعلو على آلاف من القطاعات المماثلة. الأرض، لغير الجهلة، من أمثال القيادة العامة التي تصر على وطء الأراضي البكر، شبكة من الطرق. طرق ارتحل عليها آخرون من قبلنا، وأخرى سوف يرتحل عليها من يكونون من بعدنا.

استغرق تفكيك المعسكر اليوم كله. لا يبدو الجنرال ديسيدريوس أوتشيبينتي في عجلة من أمره للعودة إلى المدينة.

في أعلى أحد التلال، كانت مقبرة قاحلة، محاطة بسور في حالة متردية للغاية، رمى فيها الجنود بقايا برتقالاتهم المقشرة. قفز الجنرال على السور، ومن ورائه النقيب فالنتيني. اقترب الجنرال من مقبرة، بدت شبيهة بنصل سيف، وبيده أخذ بعناية يزيل الغبار المتراكم على الحجر. كان قد جثا على إحدى ركبتيه. وكانت المقبرة جرداء نافذة.

“لقد استكشفت الساحل كله ذهابا وإيابا خلال الأيام القليلة الماضية: قليلة هي العلامات التي تشير إلى وجودنا هنا وكلها سطحي. الأرض القاحلة، الصحراء، هذه الشجيرات التافهة، كل شيء هنا يناقض رؤيتنا للعالم، وهي رؤية، برغم المثالية التي تتقنع بها الفاشية، وضعية الجوهر. ثمة تناغم عميق بين رؤية أبناء البلد لعالمهم ومحيطهم الطبيعي. وجهودنا، على رأي دعاياتنا المفرطة، تضيع كلها بددا وسط صمت الطبيعة الجليل. هذه الأرض لا تريدنا هنا”.

نهض الجنرال، وساعده النقيب فالنتيني على النهوض بذراعه. وكان الملازم الشاب روسِّي ينتظرهما عند أدنى المقبرة.

“ماذا تقول في هذا أيها النقيب؟ هل سيكون الإنجليز هم الذين سيطردوننا من هذه المستعمرة، أم العنف الطبيعي هو الذي تطردنا به هذه الأرض نفسها شر طردة؟ لقد كانت عاصفة السبت الماضي الرملية، قبل بدء المناورات، مرعبة بحق. أعتقد أننا يوما ما سوف نختفي بالطريقة نفسها، وكأنما الأرض ابتلعتنا، أو كأنما رمتنا الريح في المحيط. المستعمرة عضو صناعي، ومصيرنا الموت”.

 

 

مبارزة فردية

قالت زوجة الميجور موريلّي وهي تدس قدمها في حذاء بنفسجي من القطيفة إن “الأدب هو الزي الموحد للواقع”.

في تحفظ وترفع كانت السيدتان تنتقيان من متجر إسكافي تريني، وكأنما من واجهة عرض في متجر، حذاءين لحفلة رأس السنة الجديدة، وفي يد السيدة أوتشيبتني صندل ذهبي.

جلس الإسكافي، السخيف بغيض المنظر عند قدمي السيدة بورليتّي. وكان يتخذ دائما وضعية التهذب، ويبدي خفة العفاريت. وكانت تلك الحركات طريقته المغالى فيها للإقرار بسخف منظره، فوقر في كل ذلك الاصطناع شيء مؤس يفطر القلب. ولكن السيدات كن ينجذبن إليه برغم ذلك، وهن يدسسن أقدامهن في الحذاء المرفوع في جوف يديه باشمئزاز حسي.

ضحكت السيدة بورليتي قائلة في شيء من الحرج إن “في الأدب شيئا من الموت أو الجنائز” ثم أضافت وهي ترفع سبّابتها قائلة “الحقيقة أن الروح تجمد الحياة في الزمن” وتساءلت وهي تميل بجذعها إلى الأمام “ماذا بك يا حبيبتي؟ ألست بخير؟”

أجابتها السيدة أوتشيبنتي في هدوء رافعة يدها “أنا بخير، أنا بخير”. كانت تمقت الحنان. وسبق لها أن قضت شهرين في المستشفى، ثم أتيح لها الخروج خلافا لرغبة أطبائها لكي تحتفل بالكريسماس وليلة رأس السنة مع زوجها قائد فيلق الجيش ديسيدريوس أوتشيبنتي.

تلعثم كبير أطباء المستشفى وهو يقول للجنرال “إنني أرفض تحمل أي نوع من المسؤولية…”. فنظر إليه أوتشيبينتي نظرة باردة، ثم مدّ ذراعه لزوجته، ومضى بجانبها يغادران المكان وكأنه لا يكاد ينتبه إلى الجهد المضني الذي تبذله كي تسير. كان الجندي التابع للجنرال واقفا منتبها في الشارع، مبقيا بيده باب السيارة مفتوحا، وقد ملأه الفزع لمرأى السيدة وهي تسير في خطوات ميكانيكية ضئيلة متعثرة.

“واثقة أنك لا تريدين أي شيء يا حبيبتي؟ لعلك متعبة؟”

مدت السيدة أوتشيبينتي ساقها إلى الأمام كمن تركل بعيدا صوت صديقتها المشفق، أو كمن ترغب في إثبات شدتها. فانفلت الصندل طائرا من قدمها ووقع في زاوية المتجر.

ظهر الملازم أول مازّي في إطار واجهة المتجر، وبدا كمن يريد أن يحطمها ويقتحم المكان.

بعد يومين، خلال عشاء الكريسماس المقام في منزل الحاكم، أبدى الضيوف انتباها خاصا إليها، وبقيت السيدة أوتشيبينتي على جمودها، وجملها الباردة المقتضبة.

رحبت زوجة الحاكم بالسيدة أوتشيبينتي بأسخى وأشد قدر من الشفقة يدركه الخيال، كما لو أن ذلك في رواية رومنسية، في أبرز ما شهده ذلك اليوم. فلم تلق إلا نفورا فظا. كانت السيدة أوتشيبينتي ضيفة كئيبة: عدوانية حادة، لم تحضر لعرض أوجاعها على الملأ، وإنما بأسها. وكانت زوجة المحافظ على يقين من أن المرض الذي حل بالسيدة أوتشيبينتي ما هو غير عقاب عادل لها على خطاياها. فبدا لها ذلك الاستعراض الصفيق المتبجح للقوة جحودا تاما وتدنيسا للرب. وحدثتها نفسها قائلة في تحذير إن بيتنا صار نجسا.

لم يتابع الجنرال أوتشيبينتي أخطاء زوجته. وأبى أن يرجع أخطاءها إلى مرضها، أو يذهب إلى ما ذهبت إليه زوجة الحاكم فيفكر في حالتها باعتبارها عقابا. ومضى في ذلك فتركها وشأنها تعاني أوجاعها بجواره في صمت. ولم يبد مسلكه طبيعيا إلا حينما كان يرافق زوجته في خروجها من المستشفى، أو يصطحبها إلى العشاء في منزل الحاكم، متخففا من الجلبة والطنطنة، فبدا وكأنه لا يعرف شيئا عن الشياطين المتربصة لزوجته في طريقها.

سأل الحاكم الجنرال ذات مرة، وكان يراه شخصا غامضا، عن السبب الذي دعاه إلى اختيار العمل في الجيش، فأجابه قائلا “لأنها الطريقة الوحيدة للحياة بدقة علمية”.

كان يبغض البوح للناس، وكأنه بذلك ينتهك قاعدة.

كانت قاعات نادي الضباط ساطعة الإضاءة وخاوية. وتبقى مفتوحة حتى الرابعة فجرا.

ازدحمت الكاتدرائية بالناس، وقد دخل الأسقف بالفعل، مسبوقا بقساوسته. نازلا من قصره، عابرا الساحة، كان الأسقف قد دخل من البوابة الضخمة. وفي ثيابهن كاملة السوداء، تراصت الراهبات جوقة من المغنيات.

ارتدى الضباط أزياءهم الرسمية.

قال النقيب سورّنتينو إن “جلالته لا يتكلم. لن نحتاج إلى أكثر من إطراقة من رأسه لنزيح الفاشية كاملة إزاحة الغبار”. عبر قاعة النادي في خطى عظيمة الاتساع. كان ضائق الصدر لا يسقر له قرار. “وإذن، ما الذي يوقفهم؟”

قال العقيد فيرّي المولع بمراعاة حساسية النقيب “مؤكد أنه يفضل فاشية أكثر تحوطا، بل إنها، ما دمنا في معرض تعريفها، فاشية أشد زيفا ورياء. بمعنى أنها” وأضاف مبتسما “فاشية أكثر تحضرا وتشككا. لكن لعله قلق من أن أي محاولة للوصول بها إلى الكمال سوف تضعفها في نهاية المطاف، وتعجزها عن احتمال لطمات الخصم”.

“لماذا لا يأخذ الجيش زمام المبادرة؟ لو أن الملك عاجز عن قيادتنا، فليس أقل من أن يتبعنا”.

“آه يا صديقي العزيز، لا تملأ رأسك بكل هذه الأوهام والضلالات. لن يتحرك أحد. لقد جرنا على أنفسنا بالفعل أكثر مما ينبغي. فإعلان الحرب أشبه برسول لم يعد بالإمكان إيقافه. سنخوض تلك الحرب، بحلوها ومرها، وبعدها، واحدا تلو الآخر، سوف تحين أدوارهم في اللعب، الملك ورعاياه، والجيش والمعارضون الفاشيون. أو ربما يحدث الأمر بعكس ذلك. بمعنى أن يتحرك الجميع بعد فوات الأوان. وعندما يحين ذلك الوقت، ربما سيكون بوسعنا أن نثبت أننا لم نرد تلك الحرب أصلا”.

“ولكن ما الذي يجعلنا نقبل كل هذا؟” تبدى ضيق النقيب كاملا، بينما يرقبه العقيد في شغف. كان رجلا في عزه، يأبى أن يهدر طاقاته في زمان الرخص. وفي ذلك التناقض كان مفتاح مصيره.

توقف النقيب سورّنتينو في منتصف القاعة وقال “أملنا الوحيد إذن هو أن يعود موسوليني إلى صوابه ويتوقف قبل الهاوية ويرجعنا إلى الوطن”.

ابتسم العقيد. وقال في جذل “وجهات نظر! لأنه قد يتبين أن ذلك أسوأ الحلول، إطالة أمد العبودية لقدر متوسط من الزمن. وتزداد حياتنا تقوقعا وفراغا. في حال تراجعه قبل الهاوية، قد يزداد الدوتشي قوة ويكتسب مزيدا من السلطات. وسوف ندين له بذلك أيضا، لدفاعه عنا أمام نتاج الفاشية”.

صاح النقيب في جذل فائق “إذن ليس لنا خيار”

عاجله العقيد “أنت مخطئ في هذا، لو نجحنا في أن ننجو بجلدنا، سنكون قد نجونا بكل شيء. ثمة دائما أسباب مقبولة لتقبل المرء ماضيه. لو أننا في النهاية لم ندخل الحرب، فسوف نعيش على ما نحن فيه الآن إلى الأبد: الملك ورعاياه والجيش والمعارضون الفاشيون. ثمة فراغ أجوف بداخلي ولا أعرف كيف أملأه. لا أتوقع أن تنتهي حرب بأي شيء. لكن لو أن قدري أن أنجو منها، فلا أريد أن يكون ثمن ذلك اعتذارا! إذا كانوا سوف يسامحوننا على خطايانا، فلن أبالي بأن أقدم لهم تفسيراتي وتبريراتي. لعلي لا أحب الحياة بالقدر الكافي، أرى المحاكمات والتفسيرات سخفا تاما”.

قال النقيب سورّنتينو وهو يرجع إلى كرسيه ولم تعد به رغبة إلى غناء مزيد من التراتيل “قداس عيد الميلاد هذا قائم منذ عصور”.

“قداس عيد الميلاد واستعراض الجيش في الذكرى السنوية للميثاق، والحفل المقام في قصر الحاكم والمناورات العظيمة: دون هذه الفعاليات، ما كانت الحياة هنا لتحتمل. موسوليني يحرص على الاستمرار في تسليتنا وكأننا محظيات”.

“قلت استمر، أنا لست بحاجة إلى أي شيء”

“جاء الصوت من وراء المقبرة. هبَّ العقيد فيري والنقيب سورنتينو واقفين. استطاعا بشق الأنفس أن يطرقا برأسيهما تحية لجنرال قوات الجيش ديسيدريوس أوتشيبنيتي وهو في طريقه إلى الخروج. كانت زوجته جالسة في زاوية من غرفة الصالون. لقد كان العشاء في بيت الحاكم محنة وتحديا، وقد أجهز عليها التوتر الذي سببه الناس من حولها.

عبر العقيد فيري غرفة الصالون. انحنى. بجواره وقف النقيب سورنتينو في فتور يليق بحارس. رأتهما زوجة الجنرال ولم تتحرك. ثم فردت ذراعها ليمسكه العقيد في تفان ويطبع قبلة على يدها.

لم تخرج زوجة الجنرال من المستشفى لتصبح موضع شفقة مثلما خيِّل لبعض ضيوف زوجة الحاكم، وإنما ليتسنى لها أن ترقب وتنصت، فتبدأ الحياة في السريان أمام عينيها مرة أخرى، بدلا من المضي في دوائر تلو دوائر داخل المستشفى.

جلس العقيد بجوار زوجة الحاكم. يا يسوع يا روح المشورة والحكمة، ها هما أقبلا، آخر الرجال الأوفياء: تمعنت زوجة الجنرال في أحدهما، ثم في الآخر، كمن تخترقهما.

كان فراغ غرفة الصالون ثقيلا ثقل النوم. شعرت زوجة الجنرال برغبة في الاستسلام له. فالاهتمام العطوف الذي أولاه لها ضيوف زوجة الحاكم أثار ضيقها برغم ما فيه من عطف، فأوهن من ثم قوتها. وكانت ثرثرة نادي الضباط بيت عنكبوت، أوهى من أن تحافظ عليها طويلا.

فجأة أحنت رقبتها، كأنها سكرانة تترنح. ابتسم العقيد في عطف ورأى في تلك الإطراقة إشارة فالتفت إلى صديقه وقال:

“أصدقك القول يا عزيزي النقيب، نحن عاجزون عن قهر الجذور الدينية المؤسية لمشكلتنا. وهذه، من وجهة نظر اجتماعية، غلطة. قليل منا هم المواطنون حقا. الجيش بنيان صوفي. لو نحينا الهيراركية جانبا، فإن الأهمية الاستثنائية التي توليها للشكل واتباع القواعد تنطوي على إيمان، وإيمان مشترك، نحن في واقع الأمر نفتقر إليه”.

اتسعت عينا زوجة الجنرال. لقد فهمت الجملة الأخيرة، بدت لها وكأنها صورة تتراءى للمرء فور أن يستيقظ، فمضت تفكر فيها مليا دون أن تنجح في النفاذ إلى معناها. اعتراها إحساس بعزلة شديدة لا تطاق فأوشكت صرخة أن تفلت من بين شفتيها. أغلقت فمها بمنديل. الصمت! الصمت!

نظر إليها النقيب نظرة إعجاب. قال العقيد “لدى الأكثر شغفا منا، يمكن أن تتبادل الأضداد أماكنها، خشية الحرب والتوتر بسببها، مقت الفاشية واللامبالاة بها، القلق من النهضة واليقين بعدم الكفاءة لما تقتضيه. وحتى في حال استطاعة الخير أن يحقق الانتصار، بمعنى أن يفوز الصالحون (أو الأقرب إلى الصلاح على الأقل) فهل بوسع نتيجة كهذه أن تغير القدر وتصالحني مع الحياة؟ إنني رجل يلتزم بالواجب في ما يتعلق بالعمل، تماما كغيري. لكنه الكبر ولا شيء غيره ـ أم محض حل يسير. في هذه الحرب المرتبكة، سوف يخدم كثير منا بشرف عظيم، وربما ببطولة حينما يدعو الداعي. ولكن ماذا سيكون معنى كل هذا السلوك المحمود؟ إن الأنانية أرض غريبة لكل نفس تقية. ولسوف أثق مطمئنا في كل ما يخبرني به الضباط الأعلى رتبة، ولكن ما سيبحث عنه الآخرون حينما نبدأ في التحرك باتجاه العدو، ذلك ما لست أعرفه. ولكن هناك ما سوف يبحثون عنه”.

خلت غرفة الصالون. في جص السقف والجدران فخامة القبور. والغرفة إجمالا زينتها جنائزية، زينة إفراط في العزاء.

سأل النقيب “وماذا سيكون مصير الإنسانية إذن؟” وإن خلت خطوته من نشاطها الأول. أصابه مظهر زوجة الجنرال بالتشوش. أكان ذلك الكرب كله – وقد استمسكت زوجة الجنرال بصلابتها استمساك جندي بسيفه – نبلا أم إلحادا؟ وأي معنى كان لكل ذلك الجهد؟

قال العقيد في إصرار “ما الحرب إلا لعبة لتغيير نظام العالم، ولكن ما لأي من الفريقين أن يقدر على غزو إيماني بالحياة. إنما ينبع الدافع إلى الانتحار من العجز عن إقامة حوار بين أحداث الدنيا المحيطة بنا. وما الوعي بالذات إلا سجن نزج بأنفسنا فيه إذ ننتظر غرضا (أو نبحث عن غرض). وهذا أقصى ما تتيح لنا معارفنا بلوغه. أو تسمح لنا ببلوغه”.

قال النقيب سورنتينو في غضب “يا له من جهد مهدر” متوقفا في منتصف الغرفة بالضبط. كانت زوجة الجنرال ساكنة تماما. نظر النقيب إلى الوجه الفضي، فرآه يطفو على الجدار طفو القمر في سماء صافية. “علينا أن نستبدل بذلك سعيا إلى حل إيجابي، حل لازوردي بما يكفي ليستشري في العالم كله”.

ابتسمت زوجة الجنرال في حبور. وقد حركت تلك الكلمة، أي اللازوردي، شيئا في نفسها.

عبر النقيب الغرفة بخطى قليلات وقال “سوف أحكي لك قصة”.

قال وهو يبسط راحته على طاولة أمامه “هذه هي القلعة”. وأشار موضحا أنها “بناء منظم ومعزول” أنصتت إليه زوجة الجنرال في اهتمام. بدت كلماته لها واضحة بالقدر الكافي، وضوحا تجلَّى فيه اللازوردي سابق الذكر. لم يذكر النقيب ما الذي قد يكونه هذا النظام، ولم يكن ذلك بضروري. كان ينبغي أن يكون للحكاية إيجاز الأحلام، ونصيب من بداهتها.

“البطل في مواجهة القلعة” وانتقل النقيب خطوتين يمينا، وقد بدا عليه شباب عجيب، وانحنى أمام الجمهور. ثم اتجه بعدما انتصب في وقفته إلى الطاولة الصغيرة.

“ينشأ صراع حينما لا يعود البطل قادرا على احتمال عزلته، وعند مقته للنظام غير الملموس. وبسبب عزلتها وسكونها، تقبع القلعة خارج الزمن والتجربة”.

سار النقيب ملتفا حول الطاولة ثلاث مرات، مبقيا عينيه ثابتتين عليها. ومع كل دورة كان يزيد ركبتيه انثناء.

ثم انتصب بكامل طول قامته فجأة ودار على عقبيه.

“يهرب الشاب” وخطا خطوتين مبتعدا، مقتربا من متابعيه، مستلا نفسه من نظراتهم. وبقيت الطاولة وراءه في منتصف الغرفة.

“يأبى أهل القلعة الانتباه إلى ذلك الهرب، ويتصنَّعون الجهل، ولكن الزمن والتجربة ينسربان وينفذان إلى الفجوات التي أحدثها فرار البطل”.

انفجر العقيد قائلا “كان ذلك الرحيل جرحا”.

تابعت زوجة الجنرال القصة بانتباه.

واصل النقيب القصة راجعا إلى المشهد وكأنه راجع للتو من رحلة حول العالم إلى أن انتهى إلى نقطة البداية من جديد قائلا “ولكن الشاب يرجع ويبقى. والفرجة التي أحدثها رحيله تلتئم برجوعه. ترحب القلعة بالشاب وكأنه برئ من مرض، أو خلَّص نفسه من جراثيم عدوى، وتعافى تناغمه الأول. وتستمر الحياة في القلعة، في حركة دائرية متكررة، أضيف إليها شاب آخر”.

تدخل صورة الدائرة السرور على نفس زوجة الجنرال. وكانت الساعة القائمة هي أشد ساعات الليل عتمة. ولكن اللازوردي كان طريقا. ابتسمت من جديد في جذل. وازدادت هدوءا فأطرقت، بما يعني أن للنقيب أن يكمل.

شرع سورنتينو مرة أخرى، لكن بنبرة تهديدية، باسطا راحته تارة أخرى على الطاولة، قائلا “حوصرت القلعة”.

وفي تلك اللحظة بادر المتابعين بالتفسير. “هذه المرة لا علاقة لها بجراثيم العدوى، أو بمرض في عضو، أو في خلية من خلاياها (أي البطل)، إنما هي قوة خارجية”.

وفي خطى عسكرية هادرة تقدَّم النقيب باتجاه القلعة. وما كاد يصل ويصبح في مواجهتها، حتى استدار على حين غرة. بدا على قسماته التوتر. “يدافع الشاب عن القلعة باستماتة”.

ولم يدع توتر قسماته من شك في عزيمة الشاب.

ثم إنه أرخى ساعديه، وكان من قبل قد ثبتهما، وأضاف أن “كل ما ينبغي أن ينتبه إليه المرء في هذا المنعطف المضيء هو الجهد المفرط الذي بذله الشاب، وهو غامض مبهم، وعنفه الحميد عند مواجهة العدو، فما أشد اختلافه عن عزيمة الآخرين الباردة المحسوبة الفاترة”.

كرر النقيب الحركة نفسها مرات كثيرة: يدور حول نفسه وفي منتصف الدورة يتوقف ولا يبدي غير وجهه. ثم نصف دورة أخرى ووقفة أخرى. وتتشابه الدورات شبها كبيرا، وبفضل سرعة الحركات، تطابق الواحدة منها الأخريات.

“يبدو أن القوة الخارجية، القوة الخارجية الوحيدة، تتزامن مع الموت، ويحدث أن يلقى الشاب مصرعه. في سلوكه البطولي مثل ما كان في لحظة هربه من حماس. وتلك الرحلة حينما فشلت، وبخاصة فشلها في أن تكون تجربة غايتها تجديد نظام كل شيء، يبدو الموت هو القوة الوحيدة، أو الواقع ـ والمكان ـ الغريب على القلعة. من حماسة الرحلة، وتفاؤلها، إلى تشاؤم بطولة المعركة الأخيرة إذ لوثته الوثبات الرومنتيكية والانتحارات المزاجية”.

قال العقيد مبتسما في أريحية “جيد جدا، ذلك بالضبط ما قصدت قوله: لا أحد يعرف مطلقا ما الذي يبحث عنه البطل وهو يتوجه صوب العدو”.

نظرت زوجة الجنرال إلى النقيب بعينيها الثلجيتين، وقد بات يعييها أن تحركهما أوهي حركة، فكأنها دمية تقطّعت كل خيوطها. ومع ذلك حافظت على رأسها مرفوعا، وجفنيها مفترقين.

ما كادوا يغادرون الكاتدرائية، حتى تدافع الضباط إلى النادي. كانت قاعة الرقص لم تزل خاوية، والناس محتشدين في الطرقة الضخمة.

اجتاز الملازم الشاب مازّي قاعة الرقص. ولوهلة بعد ذلك تمهل مثل مبعوث تائه في الزحام. ومثل من يصل إلى منتهى الطريق، مضى ليقف قبالة زوجة الجنرال وثمة توقف.

وبعد صمت مشحون، وجَّه عينيه إلى عينيها فزاغتا.

أتاحت لها العين المحملقة أمامها أن ترى ما كانت موشكة على فقدانه إلى الأبد، الشباب والجمال والحياة، بينما بقيت العين الأخرى ملغزة. كانت قد استنفدت كل قواها في العين الناظرة إلى الأمام دون أن تلحق بها العين الأخرى. بذلت جهدا مضنيا لتبقي كلتيهما ثابتتين في اتجاه عيني مازي، فلعل ذلك كان حل جميع الألغاز.

تدفق الجمع باتجاه قاعة الرقص التي بسطت فيها مائدة.

لما لم يبق غيره في القاعة المستطيلة المجاورة لقاعة الرقص الأساسية، اجتازها النقيب سورنتينو بخطى سريعة. وفي ثقة وتوتر، عثر أخيرا على مخرج في مهزلة تلك المأساة.

“أنا على يقين من أن الفاشية ليست كفئا للمأساة! وإنها لمريعة مريعة! فالأمر لا يقتصر على أن أحدا لا يتحرك ها هنا، وإنما القوى العظمى لا تتحرك”.

وأضاف في ازدراء “وما لنا من مصير”

غمغم العقيد “فيا لها من صفقة عظيمة، صح؟”

“لولا النازية، لما استطاعت الفاشية أن تدنو بنا من المأساة. ما هي غير فضيحة تافهة متواضعة. لولا النازيون، لاضطررنا إلى الوقوف مع قوى الديمقراطية في مواجهة السوفييت. ولو انهزم النازيون، فسوف تلحق القوى الديمقراطية فلول الفاشية في صراعها مع الشيوعية. النازية هي الوقاء الذي يمنع موجة هذا العار. نحن المقهورون لن نخرج على النظام الحاكم ولن يحدث أن يتجاوز الآخرون حدود أخطائهم وجرأتهم الاستعمارية، ولن يشن أصدقاؤنا حربا علينا، إذ أنها ستبدو إهدارا غير مغفور أبدا لأرواح الجنود على ملهاتنا الوطنية، وهي شيء شديد المحلية ـ سيعلن هتلر الحرب وسوف تخاض الحرب ضده. وتلك فضيحة، والفاشية ليست كذلك. أو أنها على الأقل لا تبدو فضيحة لوعينا الجمعي، وهو شديد التكيف، ولا هي تعد كذلك في نظر المتعاطفين مع ما قدمته القوى الديمقراطية من تنازلات. هتلر تجاوز الحد، والنار اضطرمت. وألسنة اللهب تزحف على بيت جارنا، وسوف ينتهي بنا الحال محترقين وإياه. وفي غفلة منا عن طبيعة هذه النار دنونا منها طلبا للدفء وحينما يحين الوقت ونرغب في الابتعاد عنها سيكون قد فات الأوان. بعبارة أخرى، سوف نعاني مثل مصير خادم غبي يستعبده سيد شيطاني. وحينما تأتي النار على بيتنا كله، حينئذ فقط، سوف يتسنى لنا أن نعيد اكتشاف أنفسنا. وحتى الملك، الذي يربط بيننا جميعا القسم الجليل بالولاء له، سوف يتمكن من عمل هذا”.

ظهر الجنرال أوتشيبينتي في المشهد. “هل تودين يا عزيزتي الانتقال إلى الغرفة المجاورة؟ ثمة قداس فيها بجوار شجرة الكريسماس”.

ومدّ لها ذراعه. فاستجمعت زوجة الجنرال كل قواها في تلك النقطة. تحركت يداها على مسندي الكرسي، وتدفق الدم ببطء في كامل جسمها من جديد. بدت مثل ثعبان يقيم نفسه. ونهضت وتناولت ذراع زوجها. اجتازت غرفة الصالون ودخلت قاعة الرقص.

وضعت كراسي قليلة في مواجهة الأوركسترا مباشرة. في المنتصف بجوار شجرة الكريسماس. تتدلى من غصونها فضيات في مغلفات معدنية فضية. جلست زوجة الجنرال. متحفزة، شاعرة أن العيون منصبة عليها، تماما كالحال في بيت الحاكم. منحها حضور الناس القوة، وأثار ضيقها. أرغمت قسمات وجهها على ابتسامة.

إبرازا لشجرة الكريسماس على بروزها، رتبت الإضاءة في قاعة الرقص على نحو غير معهود. انصب كل الضوء المتاح تقريبا على الشجرة وضيوف الشرف القلائل. لم يكن بقية الضيوف أكثر من غيمة ملونة من الغبار قوامها المجوهرات والزينة. تدلّى الجص أشرطة من إطار لازوردي قائم في جميع الجدران. وعزفت الأوركسترا، التي تألفت من الوتريات فقط، نغمة أسيانة، لكنها عزفت في تروٍّ، لكي لا تبدد انسجام الليل الغامض. اصطبغ القداس بسمة بصرية قوية، بينما كانت الموسيقى ثانوية فيه، تكميلية. ولكن زوجة الجنرال أنصتت في انتباه.

صدح صوت ذكوري، مالئا القاعة، مسيطرا على عذوبة أصوات الوتريات. شعرت زوجة الجنرال أنها معلقة بذلك الخيط. لم يبد من شك في أن ذلك القداس استهدف توجيهها إلى تلك العين الزائغة، إلى البقعة الزرقاء التي كانت الأخرى تشير إليها. تلاشت ابتسامتها المغتصبة إلى بهجة. مال عليها الجنرال سائلا “ألست بخير يا عزيزتي؟”

“…………………..sparget sonum

…………………….ante thronum

………………………….et natura.[2]”

تعلقت زوجة الجنرال في خيط تلك الترنيمة.

إلى اليمين، اصطف الضباط الشبان اصطفاف القساوسة. تمعنت فيهم نظرة زوجة الجنرال واحدا تلو الآخر. بدا لها وكأنها تتحرك، محمولة على محفة إلى وجهة أنكرها بصرها، ولكن أذنيها عثرتا عليها بالفعل. انتظر الجنرال الذي جلس بجوارها أن تجيب سؤاله. أجابت زوجة الجنرال بإطراقة. خشيت التشتت، وكان القداس يتطلب منها كل قدراتها على التركيز. أبقت ذراعيها على مسندي الكرسي، وتتبعت الإيقاع الموسيقي المتهادي من خطوات القساوسة. نظرت يسارا، إلى الضباط والسيدات. كانت الأزياء العسكرية بكامل ما فيها من بهرجة، لا يعتريها نقص، تشحن المشهد بالتوتر. شدت زوجة الجنرال جذعها. وهيمن رأسها على المشهد.

تعلقت زوجة الجنرال في خيط صوت المغني. ولم تكن تدرك من كلماته غير القليل. ولعلها شوهت تلك الكلمات وأخطأت ترجمتها، إذ كانت دون غيرها تسمع كلمات أخرى تغنَّى. وبغتة، وبحركة تشنجية، أدركت الترنيمة، التي كانوا يحاولون أن يجعلوها تبدو أغنية بريئة من أغنيات الكريسماس.

“Judex ergo cum sedebit

Quidquid latet apparebit…”

توقف الركب بغتة، وانفك صف القساوسة الشبان، في حين تراجع الضباط والسيدات القائمون على اليمين خطوة، في فزع.

تقدم المغنى خطوة إلى الأمام على المسرح وامتلأت نفس زوجة الجنرال بالرعب حينما أدركت عيني الملازم مازي الزائغتين. أرغمت جفنيها على البقاء مفترقين. لم يعد هناك من شك: لقد كان ذلك الشاب هو موتها.

“هل تريدين الذهاب يا عزيزتي؟”

ها هو ذا المقاتل القادم من بعيد، ضيفا ينادي عليها، ما لـ”قول عزيزتي ومعذرة” من قيمة عنده مهما تكن. انفتحت الأبواب على مصارعها، وحبس أهل القلعة أنفاسهم.

إنما النصر للآخرين. والمبارزة المميتة ـ ولم يكن لدى زوجة الجنرال شك في النتيجة النهائية ـ تحولت من تلقاء نفسها إلى مشكلة روح. وعندما يتعلق الأمر بمبارزة بين فرسان، فلا مجال لعقل أو لنتيجة، إنما المهم حقا هو روح المرء، وهو عدل شرفه. قد يقبل المرء على العدو بمثل وثبة الحب التي وصفها النقيب سورنتينو. أو يجابه المرء برودة ضوء وعيه بذاته، ويدفع حدود الحياة إلى أقاصيها.

ما النقطة اللازوردية، المفارقة للطبيعة، إلا الموت ـ الباب الذي ينفتح ليكشف عن لا شيء، الخسارة التي لا يعدلها أي شيء يشترى. كيف للمرء أن يعبر ذلك الباب؟

رعشة العاشق، شرف السجين…

مقاتل متشبث بسيفه لدى الباب.

اعتدلت زوجة الجنرال بجذعها، وحافظت على مستوى رأسها، وانفتاح جفنيها. انتظم موكب القساوسة من جديد. ثم بدأ يتحرك.

حمل جسد زوجة الجنرال الخالي من الحياة إلى الخارج. صرف الجنرال من الأصدقاء من عرضوا عليه أن يرافقوه.

جلس العقيد فيري والنقيب سورنتينو على آخر مقعدين خاويين. قال النقيب “اختفى مازي”. ابتسم العقيد. قال النقيب في ضيق “لا يخطر لي شيء أشد إثارة للضيق من هذه الموسيقى. لقد كنت في الغرفة الأخرى حينما بدأ مازي الغناء. كتم أنفاسي، وها نحن الآن ننصت لهذه القمامة مرة أخرى”.

قال العقيد “حقا. لكن هل انتبهت إلى الضرر الذي ألحقته تلك النوتات؟ لقد كبدت زوجة الجنرال حياتها”

قال النقيب وهو يجول بعينيه في ما حوله “فلنغمس نفسينا من جديد في هذه القمامة. أقله أنها لن تكبد أحدا حياته”.

ضَجِرا، نهض النقيب وغادر المكان.

[1]. عن ترجمة أندريه نفيس ساحلي إلى الإنجليزية.

 

[2]. شذرات باللاتينية من ترنيمة كريسماس لفيردي عنوانها باللاتينية Dies Irae أو (يوم الغضب)

 

 

ظِلُّ الرجل الكاملُ.. ملحمة أليساندرو سبينا الليبية

 

ظِلُّ الرجل الكاملُ.. ملحمة أليساندرو سبينا الليبية

أندريه نفيس ساحلي

ترجمة: أحمد شافعي

بعد ثلاثة أشهر من وفاة أليساندرو سبينا في يوليو من عام 2013، أصدر ناشره الإيطالي إيلاريو بيرتوليتّي سيرة وصف فيها ما يشبه لقاءه الأول بالكاتب الذي اشتهر بعزلته: “كان ذلك في يونيو سنة 1993. تردّد رنين الجرس في أواخر الظهيرة، ثم لم تمض لحظات حتى دخل زميل مكتبي قائلا إن ’رجلا مرَّ بنا، وإنه أشبه بأمير عربي، طويل وسيم. ترك لك تاريخا للمارونيين’”. أجرى المحرر بعض التحريات فاكتشف أن سبينا ظل ينشر عددا من الروايات والقصص القصيرة منذ ستينيات القرن العشرين هي بمثابة تاريخ لليبيا منذ عام 1911 الذي قامت فيه إيطاليا بغزو الولاية العثمانية الغافية، وصولا إلى عام 1966 الذي أطلق فيه البترودولار شرارة طفرة اقتصادية، تفاقم على إثرها الفساد ومحاباة الأقارب تفاقمًا مهد الطريق في نهاية المطاف لانقلاب معمر القذافي العسكري سنة 1969. أنفق بيرتوليتّي، الذي يدير دار نشر مستقلة مقرها في بريشيا، خمسة عشر عاما ليقنع سبينا بالسماح له بإعادة نشر كتبه، أو جمعها بالأحرى في طبعة كاملة جامعة مؤلفة من 1250 صفحة تحمل بالإيطالية عنوان [I confini dell’ombra: in terra d’oltremare] أي “حدود الظل: في أراض وراء البحار” (مرسيليا 2007)، تضم ست روايات، ونوفيلا، وأربع مجاميع قصصية أوجزها سبينا ـ الذي لم يستقر على الشكل والعنوان النهائيين إلا في عام 2003، على النحو التالي:

هذه السلسلة من الروايات والقصص تتناول التجربة الإيطالية في برقة. تناقش “الماروني الشاب” (1971) حرب عام 1911 التي حرَّض عليها جيوليتّي وتروي “زفاف عمر” (1973) الهدنة التالية ومحاولة شخصين التوصل إلى تسوية قبل صعود الفاشية. وتؤرخ “زائر الليل” (1979) لنهاية المقاومة الليبية على مدار عشرين عاما، وتركز “حواديت الضباط” (1967) على انتصار الكولونيالية وإن يكن ذلك قد تحقق حينما باتت نهاية الهيمنة الإيطالية تخيم في الأفق فعليا وبدت الحرب العالمية الثانية أمرا محتوما، و”الكوميديا السيكولوجية” (1992) التي تنتهي بانسحاب إيطاليا من ليبيا وهروب المستوطنين. تركز “دخول بابل” (1976) على استقلال ليبيا سنة 1951، وتصور “ليالي القاهرة” (1986) أولى سنوات الملكية السنوسية وشبح القومية العربية القادمة، أما “ساحل الحياة الدنيا” (1997) فتدرس التغيرات السياسية والاجتماعية العميقة التي وقعت حينما اكتشفت احتياطيات النفط والغاز الهائلة في أواسط ستينيات القرن العشرين. من الممكن قراءة كل نص بمعزل عن البقية، أو بوصفه حلقة في سلسلة. وما ينجم من انطباع عن أي من خياري القراءة مختلف ـ لكن له القدر نفسه من المشروعية.

بعد سنة واحدة، حصل “حدود الظل” على أرفع جائزة أدبية في إيطاليا وهي بريميو باجوتّا بإجماع الأصوات. وكان ذلك إنجازا مثيرا للإعجاب، وبخاصة من كاتب أصر على إصدار كتبه في طبعات محدودة وتصميمات بسيطة نفدت جميعا بحلول أوائل التسعينيات. وبرغم ذلك لم تؤد لفتة الاحترام التي أبدتها جائزة باجوتّا إلا إلى تموجات هادئة لم تعدُ حوارا إذاعيا يتيما وحفنة مقالات حماسية وإقامة مؤتمر على شرفه لم يشارك فيه بالحضور. وفي ظل افتقار الكتاب إلى شخصية يستند عليها ـ حتى أن غلافه الخلفي خلا من صورة للمؤلف ـ انحسر الكتاب إلى المجهول، وبرغم أن سبينا يظل غير معروف كثيرا حتى في إيطاليا التي قضى فيها السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته، فإن “حدود الظل” ينتمي إلى فئة الروائع الكبرى من أمثال “آل بودنبروك” و”رجل بلا خصال” و”ثلاثية القاهرة”.

توفي سبينا قبل أسبوعين من إبرامي اتفاقية مع ناشر في لندن لترجمة إجمالي “حدود الظل”. فبتُّ وقد حرمت فرصة اللقاء به أمام مأزق: كانت ترجمة هذا السفر الضخم غداة وفاة مؤلفه تعني أن أي كلمة أكتبها تعقيبا على الكتاب ينبغي أن تتناول حياة المؤلف التي لم أكن أعلم عنها شيئا يذكر، عدا أن ’أليساندرو سبينا’ اسم مستعار تبنَّاه الكاتب سنة 1955 عندما نشر ألبرتو مورافيا قصته الأولى “الضابط” في مجلة (نوفي أرجومنتي). متحليا بتحفظ إنجليزي، ومتخفيا بأمان وراء اسمه المستعار، قضى سبينا نصف قرن يجتنب الأضواء، رافضا الدعوات للظهور العام أو لإجراء حوارات. فعلمت أنه لا عثور لمفاتيح إلا ما أنتخبه من الأعمال نفسها. فرجعت إلى الكتب أتصيد من “حدود الظل”، وإلى ثلاثمئة صفحة من يوميات كان سبينا يكتبها وهو يؤلف تلك الملحمة، وكذلك ثلاثة مجلدات من المقالات العبقرية، وبفضل زلات شبه طوعية من جانب سبينا، بدأت ببطء في تجميع حكاية.

ولد أليساندرو سبينا، أو باسيلي شفيق خزام بحسب اسمه الأصلي، في بنغازي في الثامن من أكتوبر سنة 1927 لأسرة من مارون حلب. رحل والده، وهو من أقطاب صناعة النسيج، موطنه الأصلي في سوريا، وهو في السابعة عشرة من العمر ليجرب حظه فحطَّت به الرحال في بنغازي عاصمة برقة، وكانت آنذاك مدينة قوام سكانها عشرون ألفا من الترك والعرب تتحلَّق من حولها خيام البدو ـ وكان وصوله إليها بعد أسابيع قليلة من توقيع إيطاليا والإمبراطورية العثمانية معاهدة أوشي. أبرمت المعاهدة في أكتوبر من عام 1912 وكانت نهاية 360 عاما من الحكم العثماني وثلاثة عشر شهرا من الحرب وأسست رسميا حيازة إيطاليا لطرابلس وبرقة. لحقت إيطاليا متأخرة بالتدافع الأوربي على أفريقيا، فظفرت بإريتريا والصومال في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، بعد قرابة عقدين من الاضطراب بسبب تناحر الإقطاعيات، وكانت إيطاليا تسعى منذ وقت طويل إلى وضع يدها على الكورتا سبوندا quarta sponda أي الساحل الرابع. وفي نهاية المطاف، كان الساحل الليبي ـ وآخر ما بقي في أفريقيا من أراضي الإمبراطورية العثمانية التي كانت على حد تعبير بارون إيفرسلي قد اعتادت على “اقتلاع الولايات منها بانتظام، كأنها الأشواك من شجيرة ـ يقع على بعد ثلاثمئة ميل جنوبي صقلية. وفي ظل اختمار الاضطرابات في البلقان واستشعار أن رجل أوربا المريض يلفظ أنفاسه الأخيرة، اقتنص الطليان فرصتهم. وإدراكا منهم لأنهم سوف يقنعون في النهاية ببحرية معاقة وحفنة كتائب سيئة العتاد، سلموا إنذارا في سبتمبر من عام 1911، وتم إنزال جنودهم في أكتوبر، وبحلول شهر نوفمبر، كان بالإمكان رؤية علم إيطاليا مثلث الألوان يرفرف أعلى كل مدينة كبيرة على الساحل الليبي.

غير أن المهمة التي كان ينتظر أن تكون يسيرة تكشفت عن تمرد دام عشرين عاما ولم يقمعه إلا وصول الفاشيين إلى الحكم في روما وإرسال موسوليني – في محاولة لحل مشكلة الهجرة في إيطاليا – أحد أقسى قادته وهو الكريه رودلفو جرازياني (1882-1955) لإخضاع الكورتا سبوندا و”إفساح مكان” لإقامة مستعمرات. ونجمت عن ذلك إبادة جماعية: إذ قتل ثلث سكان برقة، واعتقل عشرات الآلاف في معسكرات الأسرى، وأقيم سياج من السلك الشائك بامتداد ثلاثمئة ميل على الحدود مع مصر لمنع المتمردين من تلقي الإمدادات والتعزيزات، وطورد قائد المقاومة ومعلم القرآن الجليل المعروف بعمر المختار (1858-1931) حتى اعتقل وشنق بفجاجة، وهي القصة الآسرة التي صوَّرها ببراعة فيلم “أسد الصحراء” [Lion of the Desert] (1981) حيث لعب أوليفر ريد وأنطوني كوين على الترتيب دوري جرازياتي والمختار، ومنع عرضه على الشاشات الإيطالية لسنوات عديدة.

في عام 1939، وقد بلغ سبينا الثانية عشرة، ضمت إيطاليا ليبيا رسميا، وبحلول ذلك الوقت شكَّل المستوطنون الإيطاليون 13% من السكان وأكثر من ثلث سكان طرابلس وبنغازي وهما مركزا السلطة الإيطالية. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، أرسل والد سبينا ابنه إلى إيطاليا ليبقى فيها حتى عام 1954. اتسم وجوده في أول الأمر بالتنقل بين بوسترسيزيو وبلدة سالسوماجيوري الشهيرة بينابيعها، وأخيرا استقر سبينا ووالدته في ميلانو حيث أصبح مولعا بالأوبرا، وقد شاء الحظ أن يكون الفندق الذي نزلا به، وهو فندق مارينو على ساحة بيازا ديلا سكالا، مواجها للتياترو مباشرة. وفيما هو في ميلانو درس سبينا، الذي كان قد أصبح طلقا في العربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية، على يد ماريو ماركازان، وكتب أطروحة عن مورافيا وبدأ مسودة أولى قصصه: في نسيج خصب من التاريخ والقص والسيرة يصور نطاقا كوزموبوليتانيا من الشخصيات، من ضباط إيطاليين، ومتمردين سنوسيين، وموظفين عثمانيين، وسيدات جليلات مرحات، وصيادي سمك مالطيين، وأرستقراطيين، وخدم، وعبيد. غير أن سبينا يصف كل فئة بمثل ما يرسم البقية من براعة وتعاطف وحميمية، وذلك جزئيا بفضل مزيجه الخالص من الفتنة السردية الشرقية والشغف بتلخيص طريقة كاملة من طرق الحياة على نحو فيه كثير من القص الأوربي في القرن التاسع عشر، مفرقا بذلك بين الوجد والتواجد.

ربما ما من مثال على هذا التوازن يفضل (قلعة ريجيما) وهي من أولى المجموعات القصصية في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يتلقى النقيب فالنتيني أمرا بالتوجه جنوبي بنغازي لتولي قيادة حامية متمركزة في حصن عثماني قديم يذكرك “بالقلاع التي أقامها في اليونان الفرسان ممن انضموا إلى الحملة الصليبية الرابعة”. يسعد فالنتيني بالرحيل عن المدينة ومواكبها العسكرية المضجرة في زمن السلم، لكن فيما هو في السيارة الماضية به إلى موقعه الجديد، ينهال على عقل فالنتيني بغتة طوفان من أسماء الصليبيين المشاهير الذين

“غزوا القسطنطينية، وأقاموا الإمبراطوريات وهدموها، وأحالوا الإمبراطورية إلى إقطاعيات، وكرُّوا وفرُّوا عبثا وهم يقاتلون للإبقاء بقاء نظام، لم يكن له من جذور في البلد، فلم يكن مقدورا له البقاء أبدا”.

بخمسمئة كلمة فقط، يشرِّح سبينا سبعمئة سنة، فاضحا عبثية الغزو، والفراغ الوجودي الذي يتحتم أن يتركه في غداته: “وفيما يرتج داخل مركبته المصفحة، بدا للنقيب أنه من القسوة إرغامه على خوض الهراء نفسه الذي مضت عليه قرون كثيرة”. فيوحي سبينا أننا قد نتطور على صعيد العبقرية التكنولوجية، ولكننا نتطور بالقدر نفسه على صعيد الجهل التاريخي. وليس من قبيل المصادفة أن جمع سبينا هذه الكتابات تحت عنوان “حواديت الضباط”. فما من ليبي واحد يظهر هنا وهذا جزء من المغزى: وجزء من انتقاد سبينا الحاد لرفض إيطاليا الكولونيالي مجرد الاعتراف برعاياها من أبناء البلد. والحق أن الإيطاليين بمرور هذه السنين كانوا قد ازدادوا ثقة في سيطرتهم دونما منازع على الكورتا سبوندا، حتى أنهم ضموا الولاية رسميا إلى إيطاليا في عام 1939، وشكلوا بحلول ذلك الوقت أكثر من ثلث السكان في مدن ليبيا وباتوا يمتلكون أراضي شاسعة في المناطق الداخلية من البلد.

ومن يألف روايات الوجود البريطانية خلال حكم الراج للهند سيدرك حميمية المناظر المسرحية التي يهيئها سبينا لقرائه وهو يؤرخ لحلقة من تاريخ إيطاليا تكاد تكون محيت من ذاكرة البلد الجمعية. يقف الزمن ساكنا أتم السكون في بنغازي كما تظهر عند سبينا بينما النساء يثرثرن ويخوض أزواجهن في حديث الحرب. تتناثر في طرق المدينة الواسعة مقاه تحتوي نمائم الناس وعزف الفرق الموسيقية، لكن الرواة عند سبينا غالبا ما يجوبون بالقارئ في الأطلال اليونانية بالمنطقة المحيطة، وهي بقايا الدول المدن القوية الغابرة في (المدن الخمس الليبية) Libyan Pentapolis. شاسعة هي اللوحة عند سبينا: تصور قصصه السيدات الجليلات المتعجرفات، ورجال الصناعة، والأرستقراطيين، والساسة، والثوار، والخدم، والموظفين، والبغايا، والخياطين، ورجال الشرطة، ومعلمي المدارس، والشعراء، والموسيقيين، والأوغاد، سواء في الزي العسكري أو في سواه.

يكتنز هذا القسم من ملحمة سبينا عن جدارة بحس عسكري، فقد كان العسكر في نهاية المطاف هم الذين يتولون أمر ليبيا الإيطالية، وبذلك، تدور قصص كثيرة في نادي الضباط، حيث ينام الجنود بعضهم مع زوجات بعض، ويتآمرون ويدبرون، ويستعرض المستعرضون، ويأكلون، ويشربون، ويتفلسفون ويتناقشون في فرص إيطاليا في الحرب الوشيكة، منعَّمين بغفلتهم عن أن وجودهم المفتعل في تلك الأرض المغزوة سرعان ما سيتلاشى دونما أثر. والعسكر عند سبينا يمثلون تمام التمثيل مفهومه لـ”الظل”: فعقولهم مسكونة بعتمة المشروع الكولونيالي المثيرة للجنون التي لم تزل تخيم على عصرنا برغم أنه في ما يفترض هو العصر ما بعد الكولونيالي. وتتضافر رواياته بأكثر من استعارة واحدة، فقد يكون تأويل ظل سبينا بأنه مجاز يكشف كيف أن حضور إيطاليا في ليبيا كان في الآن نفسه مرئيا بسبب قسوته وأثيريا لسعيه إلى الحكم فقط، لا إلى الاندماج. والظل في نهاية المطاف هو الحياة نفسها أيضا: مبهم غامض. وسبب غموضه أن التاريخ شهد عجزنا مرارا وتكرارا عن تصور الكامن من وراء ما نرى، وما يجاوز أفق حياتنا المارقة وتجاربنا سريعة الزوال.

في نهاية الحرب العالمية الثانية، تخلت إيطاليا عن مطالبتها بليبيا، فبات يديرها البريطانيون حتى عام 1951 عندما استقلت تحت حكم الملك إدريس الأول. رجع سبينا وقد بلغ من العمر ستة وعشرين عاما ولما يجف بعد الحبر على شهادته الدراسية إلى بنغازي في أغسطس من عام 1953 ليساعد في إدارة مصنع أبيه المسن. وبرغم أنه كان يعمل لاثنتي عشرة ساعة كل يوم، كان بطريقة ما يجد الوقت ليكتب ويوصد على نفسه غرفة مكتب أبيه ذات الشبابيك المطلة على فندق من القرن الرابع عشر. آمن سبينا على مدار حياته إيمانا راسخا بأنه اكتسب انضباطه لا برغم كونه رجل صناعة وإنما بسبب ذلك، بمثل ما كان تولستوي يأبى أن يترك ياسنايا بولايانا ليبقى وسط أهله ومصدر إلهامه الأساسي. في وقت فراغه، كان سبينا يتناول نسحة من “الزمن المستعاد”Le Temps retrouvé  يحتفظ بها دائما بجواره، أو يبعث رسائل إلى أصدقائه كثيرا ما احتوت لآلئ مستخلصة من التحولات التي يجتازها بلده:

“سليل شاب للأسرة المالكة ـ ’من الأرفع أرومة’ كما كان يمكن أن يقول هوفمانشتال ـ هو حفيد الملك السابق الذي أطاح به الملك الحالي، مات في حادث سيارة. وفي طريق العودة إلى مخيمه الصحراوي بعد أداء واجب العزاء، تعرض أحد أبناء عمومة الملك لتصادم أجهز على حياة والدته، وزوجته، وأحد أبنائه (ولم يزل في العناية الفائقة بالمستشفى). وقد ذهبت لتقديم العزاء. الأمير رجل شديد الوسامة، في قرابة الستين من العمر. شديد الطول، بشرته حليبية البياض، ويطلق لحية قصيرة فيها نزر من الأرستقراطية. دار بيننا الكلام حتى انتهى إلى الحادثة. فقال الشيخ (الذي لم تزل رؤيته القروسطية للعالم على حالها لم تنخدش) ’هل السيارات مركبات لهذا العالم أم العالم الآخر؟’”

26 يوليو 1963

خلال العقد الأول لاستقلال ليبيا، أكمل سبينا أولى مجموعاته القصصية، ونشر رواية “الزمن والانحلال” (جارزانتي، 1962) حول أيامه في ميلانو، وعمل على ترجمة “مدينة النحاس” (شيويلر، 1963) وهي حكاية مستلة من “ألف ليلة وليلة” غير أن سبينا لم يسر واثق الخطى حقا إلا في عام 1964 حينما بدأ تأليف أول الكتب التي يتألف منها “حدود الظل”. أنتج سبينا في الفترة من 1964 إلى 1975، ولعلها أخصب عقوده، “الماروني الشاب” (1964-1972) و”زفاف عُمَر” (1970-1972) و”زائر الليل” (1972) و”مدخل إلى بابل” (1973-1975) وهي جميعا ـ وإن تناولت تنويعة من الأماكن في ميلانو أو باريس أو القاهرة ـ تدور أساسا في بنغازي التي تمثل مركز الانطلاق في “حدود الظل”.

تبدأ “الماروني الشاب” ـ وهي الفصل الأول في ملحمة برقة ـ في نوفمبر من عام 1912. إذ حصَّن الغزاة الطليان الجدد أنفسهم داخل بنغازي وتابعوا في توتر الليبيين وهم يحشدون قوتهم في الصحراء ويبدأون حرب عصابات باسلة ضد الغاصبين. في الأثناء نفسها يصل إلى المدينة إيميل تشاباس، وهو تاجر ذكي شاب من القاهرة شخصيته مستلهمة من والد سبينا، ومعه شحنة بسيطة. ولكن إيميل يقف على قدميه بفضل لقائه مصادفة بالحاج سمريت أفندي وهو من أثرى أثرياء البلدة ونبيل عثماني سابق يأخذ بيد إيميل ويساعده في انطلاقته، بل ويقرضه خادما من خدمه يدعى عبدالكريم. وبرغم أنه تقنيا بطل الرواية الرئيسي، فإنه لا يخرج من ظل سمريت حتى مرحلة متأخرة من الرواية. والصورة التي يرسمها سبينا لسمريت آسرة للقارئ على الفور:

شغل [سمريت] في إسطنبول العديد من الوظائف العامة بشرت بمستقبل وظيفي برَّاق، ولكن بعد الكشف عن مكيدة، خيَّم عليه ظل التآمر وأفضى إلى سقوطه. فانسحب إثر ذلك إلى مستنقع مغمور في ولاية بعيدة وسرعان ما طواه النسيان. […] كان عظيم الطول مخيف الوجه. انفجرت على مقربة منه عبوة بارود خلال حملة عسكرية فتركته مشوها إلى الأبد. لم يبق من شعره إلا بضع خصلات قليلات يختلط فيها لونان. وكانت تنبعث من غضون جمجمته رائحة كريهة. كانت به جدية فطرية وهيبة تفرض على كل من يكلمه أن يجبن ويتردد. كان ذلك أشبه بعمل من السحر يفصله عن كل من عداه، لكنه كان ضحية له لا سلطانا عليه مثلما ظن به الناس.

يتناول القسم الأول حب سمريت لزلفي من طرف واحد، وزلفي هي صغرى زوجاته الأربع، وهي التي تخونه لاحقا مع فرديناند اليتيم الذي نشأ في بيته. وبرغم أن سمريت يبذل أقصى جهده ليقي العاشقين من الأقارب المطالبين بعقوبة الدم، تفرض التقاليد في النهاية القتل باسم الشرف وتحتِّمه: ويضطر السياسي الهرم إلى مشاهدة طعن فرديناند وإغراق زلفي. دونما علم من سمريت، تحظى مأساة أسرته بمتابعة حثيثة من ضابطين إيطاليين، تائهين في أرض معادية عنيفة، بعد أن وصلا وهما يظنان أنهما سيلقيان ترحاب المحررين، يحاولان أن يتشبثا في أي شيء عسى أن يفهما البيئة الجديدة المحيطة بهما. ومن بين الجميع، فإن الضابطين مرة أخرى هما اللذان يحاولان بصورة ممنهجة أن يفهما العالم الغريب المحيط بهما، لكن النتيجة لا تكون إيجابية مطلقا، وربما لا عجب في هذا. وها هو النقيب رومانيو يحمل على مغامرة إيطاليا الأفريقية خلال حفل سواريه في ميلانو خلال إجازة له هناك:

كما أن للغة نفعها في المكان الذي تنطق فيه ولكنها تكون عديمة الجدوى خارجه، فهكذا هي قيم أوربا الأخلاقية الليبرالية التي لا تمتد إلى أي مكان جنوبي البحر المتوسط. لا يكاد المرء يصل إلى الشاطئ الآخر، حتى يؤمر بعمل النقيض المباشر لوصايا الرب: اقتل، اسرق، جدِّف… فور أن منيت الحامية التركية بالهزيمة واحتُلَّت مواقع أساسية قليلة على الساحل، وجدنا بلدا شاسعا مجهولا يمتد بين أيدينا، ونخشى المغامرة بولوجه. فانغلقنا على أنفسنا داخل المدن في انتظار طلوع النهار. فإذا بالليل، بدلا منه، يزداد عمقا وعتمة وإهلاكا ويعج بالشياطين.

وبرغم أن بعض الأجزاء الأولى من كتاب سبينا “حدود الظل” قد لفتت شيئا من الانتباه في أواسط السبعينيات، وبرغم وصول العديد منها، كـ”الماروني الشاب”، إلى القوائم القصيرة لجائزتي ستريجا وكامبيلو، فقد بدأ حضوره في ليبيا يخفت باطراد، وبخاصة بعد تأميم مصنع أبيه سنة 1978. إذ شهدت السنوات التالية لانقلاب القذافي قيام الطاغية بطمس الصبغة الأجنبية في ليبيا، وقد بدأ ذلك سنة 1967 بترحيل آلاف الأسر اليهودية، وعام 1970 بطرد والمستعمرين الإيطاليين. وهكذا، وهو في الخمسين من العمر، شهد سبينا العالم الإيطالي العربي العثماني الذي ولد فيه يتلاشى إلى العدم. وفي حين لم يفسد هذا عمله، فلا شك أنه ترك أثرا على نشره. ومثال ذلك أنه على الرغم من أن سبينا كتب “زائر الليل” في غضون أشهر قلائل من مطلع 1972، فقد أخَّر نشرها حتى عام 1979 تفاديا لما كانت لتلقاه من تدقيق في السنوات المضطربة الأولى من حكم القذافي التي تعرض فيها المعارضون ـ ومنهم عدد من أصدقاء سبينا ـ للمداهمة والاعتقال. في ما بين رواياته، كتب سبينا أيضا “سقوط الملكية”، وهو كتاب تاريخي على غرار توكفيل يحلل الأحداث المفضية إلى انقلاب القذافي، وتنفيذا لرغبة سبينا، لن يصدر هذا الكتاب إلا بعد وفاته. وزِّع الكتاب سرا بين أفراد مجموعة منتقاة من المعارف، ولفت انتباه جهات أمنية، ولما غادر سبينا ليبيا إلى الأبد سنة 1980، اضطر إلى تهريب المخطوطة إلى الخارج في الحقيبة القنصلية الفرنسية. آمنا من أن تطاله أيدي رجال القذافي، أقام سبينا في باريس، وتقاعد أخيرا في فيلا من القرن السابع عشر في بادرنيوني في قلب مقاطعة لومبارد المشهورة بالنبيذ، حيث خصَّص تقاعده اللطيف لإكمال “حدود الظل”، محافظا، كدأبه دائما، على خصوصيته.

مثل جوزيف روث، وهو الآخر مؤرخ راسخ لإمبراطورية منهارة، دأب سبينا منذ يفاعته على إحياء عالمه الضائع على الورق، ضامنا بذلك له البقاء في وعينا الجمعي. وفي حين تركز الروايات التاريخية عادة على قيام وانهيار طبقات معينة، فإن القليل للغاية منها (ومن أبرزه رواية مسيرة راديتسكي لروث) هي التي تقتنص الإثارة الحيرى التي تجعل حتى الأرض التي تطؤها هذه الشخصيات ترتعش بمشاعر غير منتظمة. ومثلما قالها شاتوبريان ذات مرة: “في أي مجتمع يتحلل ويتشكل، يكون الصراع بين عبقريتين، والصدام بين الماضي والمستقبل، والمزيج بين قديم العادات وجديدها، هو الذي يشكل الخليط الانتقالي الذي لا تمازجه لحظة واحدة من ملل”. تلك المفاصل الزمنية المارقة هي التي تسري في نثر سبينا الراقي مصحوبة بحس مغامرة جامح. وفضلا عن كونه الشخص المناسب لهذه الوظيفة، وجد سبينا نفسه أيضا في المكان المناسب وفي الوقت المناسب: فهو عربي مسيحي مولود في أوج سلطة استعمارية، دعم تعليمه الغربي بمعرفته الحميمية بالليبيين وعادات الشرق الأوسط وتاريخه فأنتج الملحمة الوحيدة عديدة الاجيال عن التجربة الأوربية في شمال أفريقيا.

غير أنه على الرغم من الظفر بمعجبين متنوعين من أمثال كلاوديو ماجريس، صديقه الصدوق، وجورجيو باساني وروبرتو كالاسو، كان سبينا بين الحين والآخر يعرب عن دهشته من اللامبالاة المطلقة بأعماله، أو موضوعاته بالأحرى. وبالقرب من نهاية يومياته، يتذكر لقاء عارضا في أوائل الثمانينيات في افتتاح مسرحية بالشاعر فيتوريو سيريني قدمه فيه إلى زوجته بقوله “هذا يا حبيبتي هو أليساندرو سبينا الذي يحاول أن يشعر الإيطاليين بالذنب تجاه جرائمهم الاستعمارية، بلا جدوى طبعا”. ولم يكن ذلك مفاجئا بالطبع. فحينما طلب سبينا نصيحة مورافيا بشأن مشروعه في عام 1960، نصحه مورافيا بالعدول عنه، قائلا إنه ما من أحد في إيطاليا ليبدي به اهتماما وذلك لجهلهم التام بماضي البلد الاستعماري. ولعل قراء القرن الحادي والعشرين يحسنون صنعا إذا ما أصاخوا السمع لتحذير سولجنتسين من أن “شعبا لم يعد يتذكر إنما هو شعب فقد تاريخه وروحه”. ومع ذلك، على المرء أن يضحك كلما أمكنه ذلك: خلال حرب ليبيا الأهلية، كثيرا ما ووجه سبينا من الصحفيين المتلهفين على التصريحات بمطالبات كان يرفضها كل مرة، ومع ذلك لا أكاد أشك في أن تزامن إعلان الحرب رسميا بعد مئة عام من اليوم الذي غزا فيه الطليان مدينته الحبيبة بنغازي كان يحمله على الابتسام.