غرفة الفاخري، وغرفة فرجينيا وولف: نحو إدراك أدبي بديل

في بداية “موسم الحكايات” يحدثنا الكاتب خليفة الفاخري أن الغرفة 211 هي ملجأ في مطر الليالي الشتوية. فعندما تنفِض المقاهي روادها والمرابيع ضيوفها “لا يعود عليك سوى أن تعود إلى الغرفة 211”[1] حيث الوحدة وتحشّد الكلمات النابضة في الصدر إلى أن تعتري الجسد شحنة تغربل المشاعر ومنها تنطلق الكتابة.

ولكن الأمر ليس سهلا في الغرفة 211، فالكاتب الذي يحوّل وحشة الليل الماطر إلى موسم من الحكايات يرى نفسه بأنه مجرد “مخلوق” في غرفة لا تحتوي “سوى آلة كاتبة، وحزمة من الورق، ومنفضة سجائر، وبعض الأثاث القديم.”[2] وهو وصف للذات يتجاوز حالة الشك والقلق المزمنة في المبدعين، ولن نكون مخطئين أذا ما حسبناه استيعابا لرفض بيئة الكاتب له ورغبته في الكتابة.

قبل أن يكتب الفاخِري نصه بحوالي خمسين عاما تأملت الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف ثيمة الغرفة في كتابها “غرفة تخص الفرد وحده.”  كتاب وولف يعد من أيقونات النقد النسوي وسيكون مفيدا لنا عندما نتحدث عن مجتمعات تحارب مثقفيها أو أي فئة منهم. فمن خِلال قراءة عميقة وموجزة للأدب الإنجليزي منذ بدايته في القرن الخامس عشر إلى بدايات القرن العشرين تجزم وولف أن الذكورية منعت المرأة من اكتساب المعرفة الكافية لتكتب، وعرقلتها عندما أرادت أن تتعلم، وسخرت منها عندما كتبت. كما منع النظام الذكوري المرأة من الحصول على ما يكفيها من الدخل أو الثروة لكي تتحرر وتختار ما تشاء أن تعمل بحياتها.

تستخلص وولف أن كتابة الأدب تعتمد على الحرية الفكرية وأن الحرية الفكرية تعتمد على المادة.[3] تكرر وولف وهي تقرأ تاريخ أدباء إنجلترا لازمة تتمحور حول هذا السؤال: هل كان للمرأة دخل تعيش منه وحجرة تخصها إذا أرادت أن تمارس الكتابة؟ الإجابة طبعا كانت بالنفي حتى نهاية القرن التاسع عشر، وبالكاد. كانت وولف قد ورثت عن إحدى خالاتها وقفا يضمن لها خمسمائة جنيه إسترليني واعتبرت هذا انعتاقاً لها مكنها أن تكون أديبة. ولكن هذا السؤال المرنان في نصها هو في الحقيقة طريقة لطرح الصعوبات المختلفة التي واجهتها المرأة في الكتابة على مدى خمسة قرون من الأدب الإنجليزي وتأثير تلك العراقيل في تطور كتابة المرأة.

وكما فرجينيا وولف، وجد خليفة الفاخِري لنفسه غرفة تخصّه بالفندق الكبير في بنغازي في بداية السبعينيات، أي بعد وولف بأربعين عاما تقريبا، ويكتشف مثلها أن الغرفة وحدها قد لا تكفي وإن كانت قاعدة أساسية لحرية الفكر. التذمر الذي قابله الفاخري من باقي نزلاء الفندق، تؤكد لنا وولف، كان أيضا مصير الشاعر جون كيتس[4] في إنجلترا والروائي فلوبير[5] في فرنسا في القرن التاسع عشر “وغيرهما من الرجال العبقريين اللذين واجهوا صعوبة بالغة” في الانطلاق كأدباء وكثيرا ما قيل لهم “اكتب إن شئت؛ لا فرق بالنسبة لنا.”[6] وكان هذا مصير الأدباء والأديبات في معظم تاريخ البشرية.

بالنسبة للفاخري في “موسم الحكايات،” بالرغم من استمرار شكوى النزلاء من صوت آلته الكاتبة واغترابه وتنقله بين حجرات الفندق، إلا أنه يظل متيقنا من تأثير كلماته، و”صداقة الحروف التي ستقبِّل ذات يوم عيون الآخرين.”[7] ولذا يقرر الكاتب أن لا ييأس، بل بنقلة فلسفية ما يقلب اغترابه إلى انتماء للبشرية وللأرض كلها. ينهي الفاخري الحكاية الأولى مقرا، بالرغم من تشرده بين حجرات الفندق، أنه “لم يعد يشعر بالحيرة حين يستيقظ، ذلك أنه أدرك أن السقف واحد، وأن الأرض واحدة، وأن الإنسان وحده هو الذي يضع الفروق بين الغرف، والمنازل، والمدن، وبين البشر كذلك.”[8] ودلالته على ذلك ربما هو باقي الحكايات في نصه، إذ يأخذنا الفاخِري في موسم سردي يخترق فيه حدود الزمن والمكان، من الاحتلال الإيطالي في بنغازي الي الحدود السويسرية في السبعينيات، ومن أيام العيد في طفولته إلى بابلو نيرودا قبل وفاته بقليل وهو يتأمل بجع بحيرة بودي في تشيلي.

لا شك أن “موسم الحكايات” عمل فني فذ ومن أروع الأعمال الأدبية الليبية، وقد نجزم أنه نقطة تحول فنية في أعمال الفاخِري لم يتمكن غيره من الإضافة لها في ليبيا وفي الأدب العربي عموما. فالروح التجريبية في “موسم الحكايات”، وحرية التنقل بين الزمن والمكان، وتنوع المحتوي القصصي، وتقنيات التناص، وتواجد الكاتب في نصه، والمزج بين السيرة الذاتية والقصة المتخيلة، وجمعها كلها في حائطية واسعة يجمعها خيط سردي وموتيفات متكررة تجعل من “موسم الحكايات” نصا فريدا وطازجا ليومنا هذا.

وكما يحتفظ النص بقيمته الفنية العالية، نجد فيه أيضا تعبيرا خاصا ودقيقا لوضع الكاتب في بلادنا، إذ أن في الغرفة 211 تكمن طلاسم إشكاليات الكتابة في بيئتنا. سيعيننا نص فرجينيا وولف في فك هذه الطلاسم وفي تشخيص التأثيرات التي يتركها التهميش والكبت على الكاتب مما يكتبه. ستساعدنا أطروحات وولف في رصد استبطان الكاتب للحواجز التي تفرضها عليه بيئته، وتحليله للمعضلات الفلسفية التي يواجهها، وفي رصد التحولات الإدراكية داخل نصه.

تخبرنا وولف أن الدافع الأساسي لكتابها هو التعامل مع الصعوبات التي واجهتها المرأة في الكتابة في تاريخ إنجلترا بالأخص، ولكن المحتوى النظري للكتاب يتوسع ليتعامل مع كل الكتاب الذي تم كبتهم لظروف اقتصادية واجتماعية وطبقية أيضا. كما أن المقياس الجمالي الذي تقدمه وولف لتقييم العمل الأدبي وعلاقة الأديب بنصه ليس محدودا للنصوص التي تكتبها المرأة فقط. أطروحة الكتاب الأساسية هي أن الكاتب/ة الذي يأتي من الهامش أو الذي يكبته مجتمعه/ا عرضة لصعوبات وتحديات تؤثر في طريقة كتابة النص ومحتواه.

أهم التحديات التي تواجه الكاتب هي حرية التفكير واستقلالية الرأي، وترى وولف أن التمكن المادي (الغرفة والخمسمائة جنيه إسترليني في العام) قد تضمنها، وإن كانت هناك تحديات أخرى قد تعرقل هذا الاستقلال والحرية. توضح وولف أننا كثيرا ما نقرأ نصا ونجد في نقلة ما أن عقل الكاتب “تم تحويله قليلاً عن خطه المستقيم، وجعله يغير رؤيته الواضحة خضوعا لسلطة خارجية،”[9] أو عندما نستشعر في النص محاولة مسبقة لاسترضاء نقاده ومجاراتهم. فالكثير منا في المناخات التي تفرض النمطية على أفرادها استوعبنا ذلك الصوت الخارجي “الذي يَتَذمّر، ويتسلّط، ويستبِد، يحزن، ينصدم، يغضب، ولا يكترث… مثل المربية الصارمة التي تصححك في كل حركة.”[10] سبب هذا التحويد عن المسرى المنطقي هو أن سلطة خارجية ما تغلغلت خيال الكاتب، وكثيرا ما يؤدي هذا التغلغل إلى تكتم الكاتب وعدم تعامله مع القضايا المطروحة أمامه أو الوقوف عند حد معين في تعامله معها.

لعل الموضوع الذي نجد الفاخري يتحدث عنه بحذر شديد هو المكان، وهاجس الهجر والهجرة من هذا المكان. يحيط هذا السياق بالحُجرة 211، فلولا رغبة الكاتب في مناخ يشعر فيه بالاستقلال، مثلما وصت فرجينيا وولف، لما وجدناه في الفندق الكبير، أساسا. ولكن حتى بعد ما تحصّل كاتِبنا على غرفة خاصة به فرضت عليه البيئة الجديدة التشرد من غرفة لغرفة. هنا يخبرنا المتحدث “أنه اكتشف حقيقة بالغة الأهمية هو أن الغرف كلها واحدة… وأن الإنسان وحده هو الذي يضع الفروق بين الغرف، والمنازل، والمدن، وبين البشر كذلك.”[11]

نقطة التحول هنا من الخاص إلى الشائع، ومن المحلي إلى الكوني، هي فعلا نقطة اكتشاف مهمة إذ أنها تضع خبرة المتحدث الشخصية في إطار التجربة الإنسانية كلها، ويحور فيه الكاتب فهمه لخبرته من عزلة في مدينة ضيقة الصدر إلى انتماء للعالم كله. ولكن كيف نفهم هذا الاستنتاج لكاتب وجد نفسه في غرفته بدون أن يستطيع أن يكتب فيها وكيف سيغيّر هذا الشعور بالانتماء للكون وضعه وقدرته على الإبداع إذا ما بقي في مكانه حيث يراه باقي النزلاء بأنه شخص مزعج؟ وبما أن الأنسان هو الذي يضع الفروق بين الغرف وبين البشر، ما سعينا أن نفعل حول هذا؟ هل نهجر الإنسان الذي يقيم الحواجز ونبحث عن أناس آخرين لا يضعون الفروق بين الغرف، أو أن نفهم بذلك بأن القهر والتكميم والتفرقة هو من طبيعة الإنسان وأن الكاتب سيقابل نفس الصعاب في كل مكان في العالم؟ ربما هذا التحوير لموقف الكاتب من إنسان مقهور في مدينته إلى إنسان ينتمي للعالم هو الذي يدفع الفاخري لترك مدينته في الحكايات التالية والتجول في العالم، وأن الحكايات هي تجارب متعددة للتحري ما إذا كانت نظريته عن المكان والإنسان صانع الفروقات فيها صائبة أم لا. الفاخري لا يرجع لهذا الطرح بشكل مباشر أو غير مباشر ويترك الأمور عالقة.

يتعامل الفاخري مع موضوعة الهجر والمنفى في حكايات أخرى في النص. في الحكاية الخامسة يحكي لنا عن رجل قَدِم من “مرادة” في عمق الصحراء لبنغازي حيث استقر لعدة سنين. ولكن بعد مدة اشتبه فيه الاستعمار الإيطالي بالتواطؤ مع المجاهدين، وأرسلوه منفيا لـ”مرادة” ربما غير مدركين أنها موطنه الأصلي. هنا يقول الفاخري، “قد يكون المنفى وطنا في كثير من الأحيان، وقد يكون العكس!”[12] كون المنفي في الحكاية يرجع لقريته كعقاب يزيد الحكاية مفارقة وتعقيدا لأنها مثالا معاكسا لما يقصد بالمنفى عموما، فهذه الشخصية راجعة لموطنها في آخر الأمر وقد يكون هذا من حسن حظه. “مرادة” طبعا منفى بالنسبة لزملائه المطرودين من بنغازي بدون شك.

أما بالنسبة للشطر الأخر من أطروحة الفاخري عن الوطن والمنفى، نلاحظ أن كاتبنا يخجل من أن يسميه مباشرة ويكتفي بوصفه بـ “العكس” والمقصود به هو افتراض أن الوطن منفى. كون الوطن منفى يبدو جليا في حكاية الغرفة 211 والفندق الذي كان ملجأ وبات مكانا غير مرحّب. ولكن الفاخري ربما يتحاشى التعامل مع هذه الفكرة مباشرة. هذا يدفعنا لنسأل أيضا، عن ابن مرادة الذي طرد من بنغازي وأرسل لمرادة. هل كان رجوعه لقريته رجوعا لوطنه، أم أن حتى بالنسبة له مثل زملائه، فمرادة التي ولد فيها أيضا منفى؟ الفاخري يكتفي بالسؤال الافتراضي، بينما أمامه حكاية قد تفتح حنايا الموضوع لاكتشافات أخرى تعمق معرفتنا بالبرزخ الذي يفصل الوطن عن المنفى.

يتعامل الفاخري مع الهجر والهجرة مرة أخرى في الحكاية السابعة حيث يزور السهروردي المقتول كاتِبنا في المنام. هنا يستفسر الفاخري من السهروردي ماذا يعني بمقولته “البلد الذي لا أين له، حيث لا تجد السبابة إليه متجها”[13]؟ ولكنه لا يحصل على إجابة مباشرة. السهروردي يجيبه مغمغما بالآية الكريمة “… فَـَٔامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي…”[14] الحوار مع السهروردي ميتافيزقي بدون شك، ولكن في سياق الكاتب المتنقل بين غرف فندق يتذمر النزلاء منه، الهجرة والبحث عن مكان آمن ومأوى مرحب قلق أساسي. الإجابتان تبدوان مستحيلتين، فأين هو البلد الذي لا أين له؟ الذي لا يمكنك أن تشير إليه؟ أهو مكان متخيل أم مكان واقعي؟ كما أن في اقتباس الآية القرآنية يلمّح الكاتب لقرار النبي لوط أن ينضم للنبي إبراهيم في هجرته وهذا ما يعنيه بأنه “مهاجر إلى ربه،” أي أن هجرته هجرة معنوية ليست مادية.

لا يخلو اختيار الفاخري بأن يكون زائر المنام هو السهروردي المقتول من الإثارة، فهو صاحب كتاب الإشراق والصوفي الذي قتله صلاح الدين خوفا من تأثيره على ابنه، والذي أجمع على جواز قتله ابن تيمية وغيره من علماء ذلك الزمن. ومثير أيضا ذكر نص السهروردي المقتول “أصوات أجنحة جبرائيل”، وهو نص إبداعي مبني على رؤية منام أيضا، يقابل السهروردي فيه عشرة حكماء شديدي الجمال يستمد منهم الحكمة. يخبرنا شوكت غرز الدين، أن “فحوى رسالة (السهروردي) عمومًا هو: لا للتفكير بالله عقليًا، نعم للرحيل إليه صوفيًا! أي الخلاص من الجسد-القميص وتطهير النفس من الآثام والأدران لترجع راضية مرضية إلى باريها.”[15]

كيف نقرأ كل هذه التراكمات التناصية في سياق حكاية الفاخري مع السهروردي، خاصة وأن الموضوعة الدينية غير مطروحة بشكل أساسي، ولا قضية علاقة الكاتب بربه؟ الواضح هنا هو موضوع الهجرة الذي كان ثقيلا في وجدان الفاخري في نصه هنا، وكما يؤكد محمد عقيلة العمامي كاتب سيرة الفاخري “منابت الريح.”[16] هل سيترك البلاد أو مدينته، هل سيترك الكتابة ويتوب عنها كونها أمرا لا يراه المجتمع لائقا لشخص مستقيم؟ أم هل الكتابة هي الهجرة إلى الله، وهي المدخل لهجرة باطنية يعرف فيها الكاتب الخلق وأسراره ومكانه في الكون؟

هذه الأسئلة التي تضل عالقة بشكل متذبذب، إذ نسألها، كثيرا ما توحي لنا بأننا تجاوزنا أو شردنا عن طموحات الفاخري لنصه. كلنا نتفق أن عدم تقديم الإجابات هي إحدى امتيازات الأدب، خصوصا النص التجريبي/ المفتوح. ولكن نص الفاخري أيضا شحيح في أسئلته، فهل عدم طرح الأسئلة امتياز أيضا؟ ربما لنا أن نفكر أن عدم طرحها والتحييد عنها هو من جراء الضغوطات التي مارستها بيئة الفاخري على نصه.

التقييم الآخر الذي تقدمه وولف في كتابها فيما يخص ضرورة استقلال وحرية تفكير الكاتب هو تأثيرهما على جودة العمل الأدبي ذاته، إذ أنها مرتبطة بالتوجه والطموح الذي يخلقه الكاتب لنصه. لنجاح العمل الأدبي، وهنا هي تتحدث عن الرواية، وليتعامل الكاتب مع أوجه الحياة المختلفة فيه وليكوّن له هيكلا متماسكا، لابد أن يتوفر في النص ما تسميه وولف بالاستقامة.[17] تعرّف وولف هذه القيمة الأدبية بإنها “القناعة الذي يوحيها الكاتب بأن ما يكتبه هو الحقيقة.”[18] طبعا الحقيقة هي ليست أن تكون الرواية مبنية عن حقائق حضرها أو اختبرها الروائي ويعود ويدونها لنا، بل هي قدرته على إقناعنا بأن ما يطرحه أمامنا ممكن ومحتمل ضمن ما خلقه لنا من عوالم وشخصيات. فعندما نقتنع بالعمل الفني، قد نقول كقراء “أن ما كان لي أن أفكر أبدًا في إمكانية حدوث ذلك؛ ولم أعرف أبدًا أشخاصًا يتصرفون بهذه الطريقة. لكنك (أيها الكاتب) أقنعتني أن الأمر كذلك.”[19] هذه الحقيقة هي اكتشاف للمعنى يصل له الكاتب عندما يستنطق ويستجوِب معرفته وخياله بشكل دؤوب غير مساوم في سعيه لإجابات مقنعة لتساؤلاته.

وولف تدرك تماما أن الحرص على الاستقامة في العمل الفني ليست بالأمر السهل. فالاستقامة تتطلب التعامل مع الصعوبات التي يقدمها النص، واستنفاد الخيارات المنطقية للأحداث حتى نكتشف حقيقة ما. علما أن العين الناقدة المستهترة، المتمثلة في المربية الصارمة التي تحدثت عنها وولف أو نزلاء فندق الفاخري الذين يعدّون الكاتب مزعجا، هي مصدر قلق وتأثير مزمن. فبقدر ما الكاتب أو الكاتبة يستوعبان النقد الرافض الذي سيعترض عملهما، بقدر ما تكون هذه العين غير الراضية سببا في تعثر النص وتصلب مواقفه التي قد تمنعه من اكتساب الاستقامة الضرورية التي تجعله مقنعا.

من أكثر القصص إثارة في “موسم الحكايات” هي الحكاية الثالثة، التي تحكي عن امرأة كان ابنها جنديا في الحرب العالمية الثانية، والتي كانت تقتات من صنع السجق وبيعه للناس. ولكن مع استمرار الحرب ونقص الموارد، قل الطعام حتى اختفى اللحم من الأسواق. هنا تقرر المرأة “أن تغتال الكِلاب، وتصنع من لحومها سجقا تبيعه للناس! ونجحت الحيلة.”[20] ولكن ذات يوم “عندما تفتح أمعاء أحد الكِلاب، وَجدتْ أن الخاتم الذي أهدته لابنها، قبل الحرب، في عيد ميلاده”[21] داخل أمعاء الكلب.

ينهي الفاخري هذه الحكاية قائلا “لا تخدع أحدا.. حتى الكلاب، ولكن أمنا لم تدرك ذلك بعد. [22] الحكاية الثالثة قصة خرافة وعظية عن الخداع غير مفاجئة وإن كانت صادمة حيث الأم تُعاقب لأنها غشّت الناس بإطعامهم لحم الكلاب، وكان عقابها أن تكتشف موت ابنها في منطقة قريبة منها، ربما وهو في طريقه للرجوع إليها، وأن الكلاب التهمته بعد وفاته. الموعظة هنا هي على نمط “كما تدين تدان،” وهي قصة رمزية عن عدالة القدر.

يستمر الفاخري في التخمين في موضوعة القدر في الحكاية الرابعة التي تتعامل مع شخصيتين مماثلتين للحكاية الثالثة، غير أن أحداثها وشخصياتها من بنغازي. الابن في هذه الحكاية هو بالرايس الذي “كان تقيا، ورعا إلى أقصى مدى،”[23] أما أمه فكانت “مجرد مرابية عجوز.”[24] يقرر الابن أن يأخذ أمه للحج لـ “تغسل خطاياها هنا بماء زمزم،”[25] ولكن الأم “ماتت فجأة تحت لهيب الشمس فيما كانت ترجم الشيطان الخرافي.” كان لهذه الصدمة تأثير عكسي على الابن، “إذ أن بالرايس عندما رجع إلى بنغازي بمفرده طفق يسكر كل يوم بشدة، ويذرع مخمورا شوارع المدينة باتصال.”[26]

بدون شك، أن الفاخري وضع هاتين القصتين المتشابهتين جنبا بجنب لتتحاكيا فكلاهما عن أم وابنها وكلاهما ينتهي بنهاية صادمة. وطبعا كلتا الحكايتين عن عدالة القدر. الأولى التي عن فعل الشر تخبرنا أن من يفعل الشر يلقاه كما يقول المثل. أما الثانية فقد تقول نقيض ذلك تماما، أن من يتب أو من يساعد الآخرين على التوبة قد لا ينجح بل العكس. الأم تموت قبل أن تنهي طقوس غسل ذنوبها والابن ينتهي به الأمر عاصيا بعد أن كان ورعا.

إذا وضعنا القصتين معا، كما يحفزنا الفاخري، هل نفهم من الأولى أن القدر يعاقب من يفعلون الشر، ولا يجازي من يفعلون الخير. بل، بوفاة الأم المرابية، قد نقول إن القدر يشاكسنا وقد يأتي لنا بمصير يفرض علينا أن نفقد الأمل في عدالته. وهنا كأن القصة الأولى تلغي القصة الثانية. تذبذب موقف الكاتب نراه في وضوح درس الحكاية الأولى، “لا تخدع أحد”[27]، ولكنه يترك القصة الثانية بدون تعليق، إذ فقط يقول إن “الأمر يدعو للغرابة.”[28] هنا نتساءل، هل القصتان متضادتان، بحيث أن الأولى تعزز معتقداتنا التقليدية عن عدالة القدر بينما تأتي الثانية لتقر أن الأمر لا علاقة له بالقدر، وأنه ربما ليس هناك “قدر” أو عدالة إلهية إطلاقا، فقط مجرد صدف؟ هنا نجد أنفسنا أمام مقترح استقطابي مبني عن مثالين متطرفين لا وسط بينهما. هذا يجعلنا نتساءل، هل بإمكاننا فعلا أن نختار أحد هاتين الموعظتين ونكتفي بأحدها؟ لا أظن ذلك. وإذا كانت الحكايتان تقدمان ديالكتيك بين فكرة ونقيضها، ما هي الفكرة الجديدة التي ستولد بين هذين الخيارين القطبيين.

ثيمة الهجرة في حكايات الفاخري تستمر في “موسم الحكايات” ونجد فيها أيضا بعض التخمين القطبي الذي تحدثنا عنه سابقا. في الحكاية الثامنة مثلا يجد المتحدث نفسه أمام الحدود الألمانية قادما من إيطاليا عبر الأراضي السويسرية، يُمنع من الدخول لألمانيا، ثم يمنع من الرجوع من حيث أتى لأنه لا يملك تأشيرة، كان عليه أن يستقل أول قطار إلى فرنسا، وليفعل ذلك لا بدّ له من المشي مسافة طويلة حتى يصل إلى محطة القطار الرئيسية في بازل، هنا يجد نفسه في “الأرض الحرام… في مكان لا يملكه أحد…”[29] يمر الكاتب بتحولات في مشاعره. يقول، “انتابني شعور بالارتياح… لست في بيت أحد ولست في بيتي كذلك. وشعرت على نحو مباشر بانعتاق مذهل، شعرت بالبهجة والجذل.. غير أنني عندما فكرت مليا بعدئذ، أحسست فجأة بحزن جليل ينهض عبر صدري.. لقد كنت وحدي هناك!”[30] نلاحظ هنا تقلب مشاعر الكاتب مثل البندول من الراحة إلى الحزن الجليل بدون تأويل لمبعث هذا التحول. هل الشعور بالوحدة هو الذي قلب مشاعر الكاتب رأسا على عقب؟ بلا شك أن الخبرة التي حكى عنها الفاخري في نصه، تحتمل حدوث كل هذه المشاعر والتباين والخلط بينها ولكن ما قد لا يكون مقنعا أنها تتحول بهذا الأسلوب المانوي.

نواجه نفس الاستقطاب الحاد، أو المانوي، في حكاية سي سليمان صاحب الدكان الذي يحرر الطيور التي يصطادها المتحدث. فعندما كان الفتى يصطاد الطيور ويبيعها لسي سليمان كان يقول إنه معتوه، وإن كان موقف الفتى هنا محمولا “بشعور بالهزيمة” ثم “العار.”[31] ولكن كل شيء يتغير عندما يقف المتحدث أمام جسد سي سليمان الميت. يقول المتحدث حينها “تذكرت كل شيء فجأة، وشعرت تجاهه بالحب.”[32] هنا ينقلب موقع الفتى رأسا على عقب، فالذي كان يتلذذ باصطياد الطيور وحبسها مثل باقي أطفال مدينته بدأ يشعر بالحب نحو الرجل الذي كان يمقته لأنه كان يطلق سراحها. هذا الانقلاب، من التسفيه إلى الحب، هو أيضا انتقال قطبي في المشاعر، والذي يتطلب خسارة كبيرة، إذ لا بد أن يموت سي سليمان ليفهمه الفتى، وليفهم معنى الحرية وملذة مشاهدة مخلوق يتحرر ويطير “في سموات الله” بعد أن كان يصطادها ويحبسها. عناصر هذه الحكاية تبقى على مستوى عال من الاستقطاب: (حرية/حبس) (تسفيه/حب) (حياة/موت).

كل هذه الأمثلة المطروحة من نص الفاخري، وحالة الاستقطاب التي يجد الكاتب فيها نفسه مرة تلو الأخرى ترجعنا لمقياس الاستقامة الذي تعرضه وولف. هنا قد نقول إن المقاييس التي نجدها في نص الفاخري هنا، بقدر ما في السرد من متعة وإحساس بنشوة الترحال إلا أنها قد تقع فيما يسميه علماء النفس لبس الـــ “إما أو.” في هذا الأسلوب الإقناعي “يتم بناء الحجة بحيث تشير ضمنًا إلى ضرورة اختيار واحد من بديلين فقط. وهذا يتجاهل إمكانية (أ) ألا تكون البدائل متنافية و(ب) قد تكون هناك بدائل أخرى قابلة للتطبيق على قدم المساواة.”[33]  المثير في الأمر أن هذه الأداة البلاغية تتصادم مع تصميم نص الفاخري الما بعد حداثي وتركيبته الكولاجية التي ينبذ فيها المؤلف التسلسل الزمني أو السرد الخطي. يقدم لنا المؤلف بدلا منه أرخبيلا قصصيا كل حكاية فيه مستقلة وكلها ذات رنين خاص بها. بدون شك سيكون هناك احتكاك بين الحكايات لتعطي وجهات نظر مختلفة، ولكن المثير هنا هو الفوارق المتطرفة والأطروحات المانوية التي تقدمها الحكايات في احتكاكها، حيث الأمور بيضاء أو سوداء بلا مساحة للإبهام الذي هو الموقف المنطقي في مثل هذه القضايا الغيبية والأخلاقية.

الحديث عن المشاعر يجلبنا لكيفية تعامل الفاخري مع موضوعة الحب في “موسم الحكايات”. بإمكاننا أن نتابع التحولات في أطروحات الفاخري عن الحب، خصوصا الحب الذي يشمل البشرية كلها، بينما نتقافز من حكاية لأخرى في أرخبيله السردي. الأمر الذي يشغلنا في جسنا لطريقة تعامل الفاخري مع الحب هو تحول المواقف في هذا الموضوع الشائك، وإدراك أو عدم إدراك الكاتب لهذه التحولات وتفسيره لها. نضع هذه المقومات من ضمن إطار الاستقامة الذي تقترحه وولف، بحيث أن متابعة الكاتب للتحولات في موقفه وفي طرحه هي جزء من استجوابه للقناعات التي يدرسها في سعيه إلى الحقيقة.

يكتب الفاخري في الحكاية الثانية عن شخصية عجوز صياد يقتبسها من رواية “العجوز والبحر”، لهمنغواي، الذي كان الفاخري متعلقا به وبأسلوبه.[34] بينما العجوز في مركبه “أجال بصره في البحر، واستشعر مدى الوحدة التي تكتنفه هناك.”[35] ولكنه بعد مشاهدة تحولات الماء والسماء والطيور، “أدرك الشيخ أن المرء لا يمكن أن يكون وحيدا وحدة كاملة في عرض البحر.”[36]  يفسر الفاخري هذا التحول في العجوز الصياد، وهنا نجد القطبية مجددا، بأنه “حين يكون قلبك كبيرا تستطيع أن تعانق كل شيء باعتبار أنه صديق لك… كل الأشياء تصبح ذات مدلول عاطفي دافئ.. كل الأشياء، الأشجار، والطيور، والمساكن، والتراب.. فما بالك الإنسان.”[37]

نحن هنا لسنا أمام تفاعل رومانسي أمام الطبيعة قد يحدث لأي إنسان في تفاعله مع مكونات الكون ويجلب شعورا بالانتماء، بل توصيف لنوع خاص من الناس، إذ لا بد أن يكون للإنسان قلب كبير ليعانق كل شيء. ولكن ما هو المقصود بالقلب الكبير، هل هو هبة قدرية تعطى لبعض الأشخاص دون غيرهم، أم هي حالة أو قدرة يمكن للإنسان أن يكتشفها في ذاته ويسعى لتنميتها؟ كما لنا أن نتساءل كيف وصل الفاخري لهذا الإيحاء من المقطع الذي اقتبسه من رواية همنغواي؟

يتابع الفاخري التعامل مع الحب والطبيعة في الحكاية العاشرة من “موسم الحكايات” عندما يحكي لنا المتحدث عن قصة غرام عاشها وعن حجاب اقتناه من فقيه اسمه عبد الرسول ليحفظ به حبه. يذهب الشاب ليقابل الحبيبة ويقال له إنه غير مرغوب فيه وأنه “مجرد فأر”[38] لا يستحق الارتباط بها. تزداد الأمور سوءاً عندما يكتشف المتحدث بعد وهلة أن الفتاة التي أحب تزوجت الفقيه الذي “ضمها إلى زوجاته الثلاث.”[39] يكفر صاحبنا بالأحجبة ولكن إيمانه بالحب يزداد ويقرر أن يبحث عن الحب “في عيون الأطفال والنمال السارحة في سفح الجدار…”[40] وغيرها من الكائنات. يستمر المتحدث على هذا الحال “طيلة سنين” شعر بعدها “بالإعياء والتعب” ويقال له “في النهاية أن المرء، لكي يحب حقا، لا بد أن يموت.. أن يموت في الحب..”[41] هنا يتصاعد موقف المتحدث في إشكالية الحب، وكذلك اعتماده على فرضية الـ “إما أو،” من هجر الحب البشري للبحث في حب الطبيعة، ثم يصل لقناعة بأن الموت، وليس الحياة، هي السبيل للحب. هذا النوع من التفكير هو طبعا نوع من الاستجواب، ولكننا كقراء قد نشعر أنه أسلوب إقصائي لن يجلب إلا الفشل، فإما أن يكون الحب احتضانا لكل الحياة أو سبيلا للموت.

يرجع المتحدث، لموضوعة الحب الشامل للإنسانية عندما يكتب مرة أخرى عن علاقته بزملائه في السكن في الفندق ويخبرنا هنا أنه يحاول أن يرى “الناس، كل الناس، في مرآة قلبي”[42] ولكنه غير متيقن أن الحب سيكون متبادلا. هنا يصف المتحدث نفسه بـ “مخلوق ممتلئ بالديون تجاه العالم كله!”[43] يواصل الفاخري هذه الفكرة ويخبرنا أنه تصور “دائما أنك عندما ترى شخصا ما في منامك، فإنه يراك في حلمه أيضا… فلو كان هذا حقيقة، إذن.. إذن لعششت في أحلام الناس جميعا!”[44] يكرر الفاخري هنا رغبته في الوجود المطلق إذ يحاول أن يرى كل الناس في مرآة قلبه وأن الناس لو عرفوا عن مدى تأمله فيهم لوجدوه في أحلامهم، وهو وصف شبيه بشعوره في الحكاية الأولى عن “صداقة الحروف”[45] التي يطرقها على آلته الكاتبة والتي يأمل أنها “ستقبّل ذات يوم عيون الأخرين.”[46] هذا الاسترسال في الأفكار، وهذا الطموح الكبير، يجد مصدرا آخر لترسيخ حجته في مقطع من مذكرات الشاعر بابلو نيرودا يقتبسه الفاخري في “موسم الحكايات.” يكتب نيرودا أن “الإحساس بحنان الذين نعرفهم، والناس الذين لا نعرفهم، هو أيضا إحساس عظيم ورائع، لأنه يزيد من توسيع أبعاد كائننا، وإعطائها كل مداها، ثم تمتد لتشمل سائر الكائنات.”[47] وهو إقرار يذكرنا بعجوز همنغواي في وسط البحر، وبمتحدث الفاخرى الذي خسر حبيبته والذي قرر أن يبحث عن الحب في كل مخلوقات الكون.

ولكن مع تواصل النص، نجد في نص الفاخري شذرات يتراجع فيها عن هذه النظرة الرومانسية ربما المفرطة في حب الناس، ففي الحكاية الثانية عشر، يحكي لنا عن الحلاج وثورته ومقتله ويقتبس مقطعا مثيرا من قصيدة لعبد الوهاب البياتي بـلسان الحلاج، متحدثا عن ربه:

“في سنوات العقم، والمجاعة

باركني، عانقني، كلمني..

ومد لي ذراعه

وقال لي: الفقراء ألبسوك تاجهم

وقاطعو الطريق،

والبرص، والعميان، والرقيق.

وقال لي: إياك!

وأغلق الشباك..”[48]

الفاخري هنا ينهي المقطع الذي يقتبسه من البياتي بشكل مفاجئ وحازم، بل في وسط الجملة، حيث لا نرى القضاة والشهود والسياف يدخلون المشهد ويعاقبون الحلاج كما في تكملة قصيدة البياتي.[49] كأن الفاخري يقطع المشهد هنا ليقول للحلاج “إياك من لبس تاج الفقراء وغيرهم من غير المرغوبين” بدون أن يوضح مخاطر هذ التتويج أو السعي وراءه. أو كأن الفاخري يريد أن يوحي لنا أن المخاطر ليست العقاب الذي سيأتي من القوى المتسلطة، بل أن السعي وراء تتويج المستضعفين للمثقف فيه إشكاليات أخرى بالغة. يستطرد الفاخرى بعد أبيات البياتي، قائلا، “فليس ثمة – إذن – من ليست له مصلحة حقيقية في الله، والشمس والثورة.. أليس كذلك؟”[50] مصطلح “مصلحة حقيقية” هنا يزيد الوضع غموضا. هل المقصود هنا مصلحة حقيقية ونقية ونموذجية أم أن هذا الاستعمال ساخرا يعني مصالح الأمر الواقع المادية. وكون الفاخري ينهي حكايته بسؤال، “أليس كذلك؟”، قد نقر هنا أن الفاخري يتجنب نموذج الحلاج ويجد نفسه في حالة تساؤل أكثر من أي شعور باليقين.

وعلى نحو مماثل، في الحكاية التاسعة عشر، نجد الكاتب في الغرفة 211 مرة أخرى “جذلا” وهو يراقب المطر يتساقط بالخارج، ينصت إلى “أولى الأصوات المنبعثة في المدينة… حالما بأن المطر قد غسل المدينة الآن، والناس… وجعلهم طيبين تماما.”[51] يأخذ الفاخري هنا موقفا رومانسيا في أمنيته أن تقوم الطبيعة بتغيير طباع الناس، ولكن سرعان ما يدرك أن هذه الخاطرة مجرد حلم. يختم الفاخري الحكاية بأن يتوقف المتحدث عن الحلم وأن يسعى مثل البشر الآخرين في أرض الله. وهذا التلميح لفعل الغسل يذكرنا بالمرابية في الحكاية الرابعة التي أراد لها ابنها أن تغسل ذنوبها مما أدى لاختياره أن يبدأ عصيانه، فكما محاولة الغسل في تلك الحكاية فشلت، يبدو أن متحدث الفاخري اقتنع أن أمنيته لجعل الناس “طيبين تماما” لن تتحقق وعليه الآن أن يعيش مع أهل مدينته الضيقة الصدر كما هم بطبيعتهم.

كون أحداث الحكاية الأخيرة في “موسم الحكايات” تجري في لندن لنا أن نقرأ أنها توحي بأن المتحدث فعلا هجر مدينته بحثا عن المحبة والألفة في مكان آخر. الحكاية العشرون تحدثنا عن رحلة تجمع المتحدث وصديقته في لندن يوم الميلاد وهما يهيمان بالشوارع بلا نقود ولا قطار يرجعهما للمدينة التي أتيا منها. يختم الفاخري النص بقوله “كنا جائعين، ومقرورين، و.. لكننا كنا معا. أجل، كنا معا.”[52] هذه الصورة للحبيبين لا تخلو من الرومانسية، إذ أنهما بالرغم من جوعهما وقرهما فهما سعيدان لكونهما معا. وهي طبعا تحاكي الحكاية الثامنة عندما وجد المتحدث نفسه وحيدا في المنطقة الحرام بين المانيا وإيطاليا وسويسرا وحين اختلطت مشاعره إلى أن امتلأ صدره “بحزن جليل”. ولكننا هنا في الحكاية العشرين نجد أن المتحدث أكثر توازنا وسعادة.

إذن كيف نقرأ هذا الاكتفاء بالحبيبة الواحدة، بعد كل هذا الحديث عن حب الناس جميعا وكل مخلوقات الكون؟ بالطبع هذا استنتاج أكثر واقعية وإقناعا، وإن كان لا يخلو من الإفراط العاطفي في تلميح الكاتب بأن السعادة مرتبطة بالجوع والتشرد والفقر. ولكن الأهم من ذلك هو، كيف نقرأ حدوث هذا المكتسب العاطفي خارج المدينة الضيقة الصدر؟ هل نقرأه بأن الكاتب ترك مدينته ووجد الألفة التي يبتغيها؟ وأنه ما كان ليصل لهذا الموقف المتوازن نحو الحب إذا ما بقي في مدينته التي أحب ناسها والتي طالما تمنى أن يتجانس معها؟

الإشكالية تكمن في عدم رصد المتحدث للتحولات التي تجري في موقفه، من الرومانسي النموذجي، إلى الواقعي. وقد يدل هذا أن المعنى الذي نكتشفه في نصه لم يمر بالاستجواب والتساؤل الكافي من قبل الكاتب ليوحي بمدى اقتناعه بأطروحته التي وصل إليها في نهاية نصه، والتي وإن كانت غير مباشرة، فقد تعد كنوع من التوصية بخصوص ما بلوره الكاتب في موضوعة الحب التي طالما شغلت نصه.

من جماليات النص الأرخبيلي الذي واكب التيار ما بعد الحداثي في عدة حقول معرفية[53]، أنه يعطينا الفرصة لنتقافز من فكرة لفكرة أخرى، بل إن استعمال هذا النص المفتوح عادة ما يكون ممارسة أدبية لتفنيد التفكير القطبي وخياراته المحدودة. كما أن هذا النوع من النص طالما وظِّف ليوحي لنا بمعالم أخرى لبلورة الأفكار ولتوسيع الخيارات الفلسفية والأخلاقية، من أضداد متباينة إلى فروقات واختيارات يصعب تقسيمها بالمعايير الصارمة. في “موسم الحكايات” للفاخري، تكمن متعة النص في شعورنا أننا بصحبة قبطان خبير يبحر بنا من جزيرة لجزيرة، ولكننا كثيرا ما نجد أنفسنا في مصيدة ولا خيار لنا الا أن نختار جزيرة في صراعها مع جزيرة أخرى. هل لنا أن نقترح أن هذا من جراء الضغط الذي مارسته البيئة على الكاتب وشعوره بقلة الخيارات وضيق مساحة التفكير؟ ربما. وقد يكون هذا الضغط سببا في عدم حضور كاتبنا في كتابه بما فيه الكفاية. إذ أن وظيفة حضور الكاتب في نصه، والوعي المزدوج الذي يمكنه من رصد تحولاته الإدراكية هو من أهم امتيازات هذا الأسلوب السردي، لكي توفر الحكاية والحكاية عن الحكاية عدة خطوط متوازية من الإدراك والمتعة ومتعة الإدراك.

في سياق هذه المطبوعة التي تأخذ اسمها من رائعة الفاخري، قد يبدو هذا التعامل المسهب مع نصه جحودا ونكرانا لكاتب طالما أحببنا أسلوبه وتعاطفنا مع صعوباته وشعرنا بامتنان نحو ما تركه لنا من حس فذ ورغبة في التجديد. وقد يعد البعض ما قدمناه هنا هو نموذج لما سماه هارولد بلوم بقلق التأثير[54] وكل ما فيه من نزعات أوديبية، وإن كانت هذه النزعة وما تحتويه من مشاعر تبقى دائما رابضة في لا وعي الكاتب اللاحق ولا سبيل له لاكتشافها.

ربما الأفضل أن نستنجد بالسيدة وولف مرة أخرى لترشدنا. تقول وولف عن الممارسة الأدبية أن تأثيرها تراكمي، فــ”الروائع الأدبية ليست ولادة فردية وانفرادية. إنها حصيلة سنوات عديدة من التفكير المشترك، والتفكير بجسد الناس، بحيث تكون تجربة العديد من البشر وراء الصوت الواحد.”[55] المقصود هنا أن الأدب ليس له أب أو أم واحدة، وكما يذكرنا إدوارد سعيد في كتابه “البدايات” أن الممارسة الأدبية، بالأخص في العصر الحديث، باتت نتيجة تأثيرات انتقائية ومتنوعة تأتي من موارد مختلفة، الكثير منها خارج ثقافة المبدع وبعيدا عن زمنه.[56]

الفنون، كما يخبرنا الشاعر الأمريكي دين يونغ، ليست محل تنازع مثل الصراع على الموارد المادية. يكتب يونغ، “قراءة القصائد تجعل الناس يرغبون في كتابة القصائد. وأجمل الإطراءات التي تلقيتها إطلاقا عن ما أكتب هي عندما يقول لي شخص ما إن قصيدة لي جعلته يرغب في كتابة قصيدة. الشعر يتحدى قانون العرض والطلب، ولا تتضاءل قيمته مع ازدياد العرض. كلما زاد الشعر، يزيد الشعر. لا يوجد حد أقصى. الشعر لا يقول أبدا “لا” للشعر.”[57] وتعود وولف وتقول إن الأديب أو “الشاعرة وريثة بالإضافة إلى كونها مُوَرِّثة، لأن هناك من سبقوها،”[58] مهدوا لها الطريق وكتبوا وكانت هذه حياتهم الطبيعية.

الشعور الذي ينتابنا عندما نقرأ “موسم الحكايات” للفاخري هو انبهار بما وصل له من تقنيات ومبادرات إبداعية، وفي ذات الوقت ندرك بأننا في بلادنا مازلنا نواجه نفس التحديات المفاهيمية في ممارساتنا الأدبية والفنية عامة. فالكتاب والفنانون في بلادنا، أيضا نزلاء في الفندق الذي سكن فيه الفاخري. أما عن زملائنا في فندق الوطن، المتذمرين الغاضبين الذين لا يرغبون في الانزعاج الذي تسببه الكتابة، فتقول وولف إن غضبهم واحتقانهم من الآخرين مصدره عدم الثقة في الذات، وأن استعراض الغضب والتململ هو أسرع طريقة للوصول لملذة الثقة بالنفس. تسأل وولف، “وكيف يمكننا توليد هذه العاطفة سريعة الزوال والتي لا تقدر بثمن بأسرع شكل ممكن؟” ثم تجيب، بأن هذا الشعور يأتي من خلال التفكير في أن الآخرين أدنى منا. من خلال الشعور بأن المرء لديه بعض التفوق الفطري… على الآخرين.”[59] تضيف وولف أن هذا الغضب، والذي بدون شك يُصبُّ جامه على المرأة، هو “أحد المصادر الأساسية للسلطة الذكورية.”[60] هذا طبعا ينطبق تماما على بلادنا، حيث أن إحباط الدولة والمجتمع وفشل مؤسساتهما يتغلغل داخل أفرادها، بالأخص ذكورها، ويجعلهم محتقنين، قلقين، غير متيقنين من أنفسهم ومستقبلهم. وهنا، عندما تكون الذات مشحونة باحتقانها وتحوره إلى شعور بدونية الآخرين، هنا تكتسب جرعة من الثقة بالذات ترجع لها هدوءها.

لكن هذا لا يعني أن المبدع لن يتأثر بهذه الادعاءات والضغائن غير المنطقية. تقول وولف هنا إنه “لسوء الحظ، فإن المبدعين يهتمون أكثر من غيرهم بما يقال عنهم. تذكروا كيتس. تذكروا الكلمات التي وضعها على شاهد قبره. فكروا في تنيسون[61]. أظن أنني بالكاد أحتاج إلى ذكر حقيقة لا يمكن إنكارها، وإن كانت هي فضيلة في ذاتها، وهي أن من طبيعة الفنان أن يهتم بشكل مفرط بما يقال عنه. تاريخ الأدب مليء بحطام الرجال الذين اعتنوا بشكل مفرط بآراء الآخرين.”[62]

السؤال هنا، ماذا علينا أن نفعل في هذه الوضعية التي نحن فيها، وكيف نتعامل مع وضع ثقافي، بات أقل تفهما وتسامحا من الفترة التي كتب فيها الفاخري منذ خمسين عاما مضت؟ كيف نُعزز أنفسنا بالوعي المسبق، أو ما نسميه هنا الإدراك، الذي نحتاجه لإعداد أنفسنا للممارسة الإبداعية، لنحميها من التغلغل والشرود عن الغاية، ولتتناسق مواقفها الفلسفية، ولتكون مؤهلة بتعقب تحولاتها؟ نرى أن هذا الإدراك، الذي يعتمد على ممارسات لنقد الذات تواكب الممارسة الفنية، من شأنه يجعل الفنان والعمل الفني يكرس ذاته للقضايا التي يتعامل معها بشكل أفضل، معتمدا على استقامة سعيه، ومتحصناً ضد نشاز بيئته في غرفة آمنة تخصه وحده.

[1]. الفاخري، خليفة. “موسم الحكايات” منشورات دار الحقيقة، بنغازي، الطبعة الأولى، 1974. ص. 8.

[2]. الفاخري، خليفة. “موسم الحكايات” منشورات دار الحقيقة، بنغازي، الطبعة الأولى، 1974. ص. 9.

[3]. وولف، فرجينيا ص. 90Woolf, Virginia. A Room of One’s Own. 1929. Published by Gutenberg Project, http://seas3.elte.hu/coursematerial/PikliNatalia/Virginia_Woolf_-_A_Room_of_Ones_Own.pdf

[4]. جون كيتس، John Keats (1795-1821) من أهم شعراء الحركة الشعرية الرومانسية بإنجلترا، ويعد من أعظم شعراء بلاده.

[5]. غوستاف فلوبير (1821-1880) Gustave Flaubert من أعظم روائيي فرنسا وأكثرها تأثيرها، أحذ رواد الواقعية الأدبية في بلاده.

[6]. وولف، ص.41.

[7]. الفاخري، ص. 9.

[8]. الفاخري، ص. 10.

[9]. وولف، ص. 62.

[10]. وولف ص. 65.

[11]. الفاخري، ص. 10.

[12]. الفاخري ص. 14

[13]. الفاخري، ص. 16.

[14]. الآية 26 من سورة العنكبوب، يذكرها الفاخري، في ص. 14 في موسم الحكايات.

[15]. غرز الدين، شوكت.”مراجعة كتاب ‘أو ْزبَر جبرائيل أو تفسﻴﺮ رواية عزازيل’ لمؤلفه نايف سلّوم.” مركز حرمون للدراسات المعاصرة، سبتمبر 2016. https://harmoon.org/wp-content/uploads/2016/09/Interpretation-of-the-novel-Azazel.pdf

[16]. خصص الأستاذ محمد عقيلة العمامي فصلا عن رغبة الفاخري المتواصلة للرحيل، تحت “هواجس الرحيل”، ص. 139-147، في كتابه عن الفاخري. المصدر: العمامي، محمد عقيلة. “منابت الريح: سيرة الراحل خليفة الفاخري الأدبية.” مصراته، شركة الأنيس للطباعة والنشر والتوزيع، 2002 (؟).

 

[17]. وولف، ص. 60 . تستعمل وولف هنا كلمة“integrity”  وهي عادة ما تعرب بالنزاهة فيما يخص الأمور المالية. رأينا أن هذا الاستعمال سيكون مربكا فيما تقصده وولف هنا في الممارسة الأدبية ولذا قررنا أن نستعمل كلمة “الاستقامة” وإن كنا نشعر بأنها لا تجيز بالغرض تماما.

[18]. وولف، ص. 60.

[19]. وولف ص. 60.

[20]. الفاخري، ص. 12.

[21]. الفاخري، ص. 12.

[22]. الفاخري، ص. 12.

[23]. الفاخري، ص. 13.

[24]. الفاخري، ص. 13.

[25]. الفاخري، ص. 13.

[26]. الفاخري، ص. 13.

[27]. الفاخري، ص. 12.

[28]. الفاخري، ص. 13

[29]. الفاخري، ص. 18. (باعتقادنا أن هذه المنطقة هي Dreiländereck ومعناها الحرفي هو مثلث الثلاثة أوطان، هي النقطة التي تلتقي فيها الحدود الألمانية والفرنسية والسويسرية.

[30]. الفاخري، ص. 18.

[31]. الفاخري، ص. 20.

[32]. الفاخري، ص. 20.

[33]. American Dictionary of Psychology, American Psychological Association, (https://dictionary.apa.org/either-or-fallacy).

[34]. العمامي، ص 101.

[35]. الفاخري، ص. 10.

[36]. الفاخري، ص. 11.

[37]. الفاخري، ص. 11.

[38]. الفاخري، ص. 20

[39]. الفاخري، ص. 21

[40]. الفاخري، ص. 21

[41]. الفاخري، ص. 21

[42]. الفاخري، ص. 23

[43]. الفاخري، ص. 23

[44]. الفاخري، ص. 23

[45].  الفاخري، ص. 9

[46].  الفاخري، ص. 9

[47]. الفاخري، ص. 26

[48]. الفاخري، ص. 22

[49]. المقطع يستمر بهذه الأبيات: “واندفع القضاة والشهود والسياف/ فأحرقوا لساني/ ونهبوا بستاني/ وبصقوا في البئر…”  البياتي، عبد الوهاب. “ديوان عبد الوهاب البياتي” المجلد 2، بيروت، دار العودة، 1971. ص. 17.

[50]. الفاخري، ص. 22

[51]. الفاخري، ص. 31-32

[52]. الفاخري، ص. 35.

[53]. لعل من أهم الأعمال الأرخبيلية في القرن العشرين هي بعض الكتابات الفلسفية لفغتنشتاين و أدورنو؛ وسينما غودارد وفيليني؛ وروايات ونصوص ويليام فولكنر ومارغريت دورا وايميه سيزير.

[54].  قلق التأثير هو مفهوم نقدي مبني على نفسي فرويدي وضعه الناقد الأمريكي هارولد بلوم الذي يقر أن الشاعر اللاحق يعاني من قلق بسبب الخوف من تأثير الشاعر السابق فيه.

[55]. وولف ص. . 55.

[56]. سعيد، إدوارد. Beginnings: Intention and Method. New York: Columbia University Press, 1985. Said, Edward

[57]. سكستون، ويزليSexton, Wesley, “Interview with Dean Young,” Digital Commons of Butler University,

https://digitalcommons.butler.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=4455&context=manuscripts

[58]. وولف، ص 9

[59]. وولف، ص 30.

[60]. وولف، ص 30.

[61]. ألفريد تنيسون، Alfred Tennyson، ‏(1809-1892) شاعر إنجليزي من أبرز شعراء القرن التاسع عشر، عين شاعراً للبلاط في 1850.

[62]. وولف، ص. 45