حاشية السرير حدود العالم

 

 

وتوّا يام؟

تصفني أمي في طفولتي هكذا:

كان مايفوتك شيء..

وهو تعبير يشير إلى دقة الملاحظة لدى الصغار

وأسلوب تورية في وصف الذكاء،

رغبت القول: الآن أيضا ما يفوتني شيء يام،

لكن الكبير من لا يفوته شيئا

تفوته الحياة، والناس،

ويغفل عن نفسه،

هكذا فكرت وأنا عالقة هنا،

في مكان لم أتعرف عليه بعد،

وكأنني أصحو رويدا

بعد سقطة طويلة في بئر عميقة..

لحظة،

لا ليست بئرا حقا،

إنها غرفتي، بجدرانها الغامقة وسقفها الأبيض

وبرسيانها الرمادي وستائرها العكرية

وأنا فوق سريري العالي،

وتحت ثريا بلون الستائر

ولامبتها مطفية.

 

 

أقف في انتظار الباص

كأول مسار

نحو وجهتي،

في الغالب مواعيد رسمية

تنتهي لتبدأ،

ولأخفف من وطأة الأمر

أقول لنفسي، يا فتاة

أليس طريفا أنك توفرين فرص عمل

لمن يحاولون إيجاد عمل لك؟

فيتبسم جرح في وجهي،

ثم أنصرف لمراقبة أهداف الناس

التي تشي بها أجسادهم،

وجوه تمر بأعمار مختلفة أمامي،

أعني أمام البنت اللي ما يفوتها شيء،

فأرى أن أغلب الجماهير

تعرف وجهتها جيدا وإلى أين تمضي،

فيما أنا فقط

أو هكذا أشعر،

من تقف هناك شبه ضائعة،

تقريبا غارقة، ونصف حية،

لهذا أكون مرتاحة في كل مشاوير العودة إليه،

إذ أكون مثل تلك الجماهير أعرف وجهتي،

وهدفي في غاية الوضوح،

أفتح الباب الأزرق لشقتي،

أخلع ملابسي في الممر وأنعطف

يسارا وأسقط في السرير.

 

 

هناك نظرية نمطية تفترض

أن المكتئب يمر بحالة

نكران وعدم تقبل،

لهذا شده الطبيب لثوان

وأنا أوافق فورا على تشخيصه.

ليس مستغربا أن أعرف،

إذ قابلت الكآبة وجها لوجه مرارا،

وكنا نتعافر في كل منعطفات حياتي

تنتصر وأنتصر ثم تنتصر، وهكذا..

ولكن أنا التي تنبعث

من رماد تلك المعارك

يتلبد الكثير من الحزن فوق لساني

وفي حنجرتي وفوق مخارج الحروف،

لا ليس الحزن،

بل شيء أكثر كثافة،

لعلها المرارة.

 

 

كُصبر

عزيزي السرير،

عزيزي الكافيين

وعزيزتي العزلة،

تبدو حياتي معكم كاملة،

في الواقع أشبه بالجنة

200 في 140 سم،

هاذي حدود ملكيتي الآمنة،

يرتكز سريري فوق أرضية الخشب،

وتحت السقف الأبيض لغرفة النوم،

ورغم وجود المقعد فأنا لم أُدخله ملكيتي

ولا باقي مساحة الغرفة بنافذتها العريضة

وخزانتها العالية وحتى مساحتي الكاميدينو

عن يسار وعن يمين مستثناة،

لأن بعض الكتب وقطرة العين

وبخاخ الجيوب الأنفية

وعلبة فيتامين سي الذي أمضغه بغير حساب،

فضلا عن موبايلي وكروم بوك

وسهّارة وقابس كهرباء وأجهزة الشحن

وزجاجة الماء، كلها تشاركني السرير

الذي أنقلب كل مرة لأتبادل جانبيه

مع الحشد الذي ذكرت،

ولهذا يتبعج وجه الطبيب النفسي

وتلف عيناه في ملكيته

الأوسع قليلا من سريري

وذلك في مكتبه واضعا رجلا فوق رجل

في الكرسي المقابل لآخر أجلس عليه

حتى قال: هذا لا ينفع

يجب أن تتركي الغرفة والسرير معا،

وجعلني هذا أحن إلى كوب مغلي الكسبر

تنقله أمي من يدها ليدي وستقول:

نوضي تنشروي ولوحي عليك هالرقاد،

وفيما الحرارة في السائل الأصفر

وفي صوتها تسريان في فراشي

كنت سأشرب الكصبر

وأغطس في النوم دافئة،

لكن الطبيب عاد وسأل:

هل تتناولين طعامك في السرير؟

 

 

الزنزانة 19

لم تكن المرة الأولى التي أدخل فيها

هذا العالم المظلم،

ولا أعني بالمظلم سوءا،

بل هو توصيف دون إدانة،

لأن الليل يكون صديقا مفضلاً

وكذلك الغرفة المقفلة،

واللامبة المطفية والستائر المسدلة،

ومسموح بكل ما يجعل النهار يمشي فقط

في الأفلام وفي الكتب وخارج غرفة نومي

وفي الشارع الذي يصير عالما موازيا.

لماذا؟

لأنني أحذر الحياة التي تذب في النهار والناس

وتشعل الزحام في الطرق والمقاهي والمواصلات،

فالسكون هو كل ما أريده،

لهذا أقتل الحياة في الخارج

قبل أن أختبئ.

 

 

عدت مجددا

إلى معالجتي النفسية،

إثر تدهور نفسي حاد،

وتحت شراسة الاكتئاب،

كارين وهذا اسمها نجحت في 2019

أن تخرجني بصورة

هي نفسها فاجأتها

من تأرجحي الدائم في بئر عميقة،

وكانت فترة إغلاق بسبب كوفيد 19

وهي فترة ناسبتني مثل معجزة

حيث سكتت الحياة

وسجنت بقوانين التباعد والحظر،

فتواصلت جلساتنا هاتفيا طوال عام،

وفيما انفجرت الاحتجاجات لاحقا

في روتردام رفضا لاعتقال الحياة،

انفجر البالون الذي يضغط قفصي الصدري

وكأنه الدمل

وبينما يمرض الناس بكورونا ويموتون،

شفتني أنا من الخوف،

ما عاد لدي ما أخشاه،

الحياة بكل نهاراتها وصخبها

والدعاك في العزل.

 

 

رقم أحمر

يتعامل الناس مع الكآبة مثلما

يتعاملون مع التحرش،

وضحاياها يقعون في ذات الحضيض

الذي تقع فيه ضحايا التحرش،

ولهذا ظلت تلاحقني

العبارات الليبية المعتادة في هكذا ظرف،

(شن ناقصك؟ عيشي حياتك)

(نوضي تنشوري، لوحي عليك الرقاد)

وذلك بكل حسن النية

ولوم الضحية في آن..

نعم فالاكتئاب متحرش لحوح،

لن يرغب أحد في مواجهته،

لن يرغبوا في التصديق،

وسيفتشون دائما في طباعي وعاداتي وسلوكي،

وسيعتقدونني أبالغ أو نتدلع،

وسيحاولون إقناعي بأنني

لا أبذل جهدا كافيا للحياة

ويصرون على دعوتي للنهوض، للضحك،

للخروج من البئر، للقاء الناس،

لاجتماعات العيلة وهكذا،

بل أن الطبيب النفسي بنفسه

سيكون منهم في الكثير من المرات

وهذا ألم يسافر بعيدا في الروح مثل الخيانة،

كما سيقترح البعض،

والبعض سيكون أي شخص حرفيا

أو ممن حولي زيادة الالتصاق بالله

مش بأحضانهم،

ولتجديد إيماني يقترحون: أقري قرآن،

ديري عليك المي،

امسحي فريستك بالمعوذتين،

كل هذا لأنهم خائفون من هذا المرض الغامض؟

أنا أيضا يملأني الخوف،

حتى أنني طبقت الكثير من مقترحاتهم،

وصدقت لوقت طويل أحكامهم.

 

 

إذن رجعتُ

إلى كارن في 2021،

وكنت في وضع سيلان مشاعر،

كنتُ آلة بكاء لا تتوقف إلا لتتدفق

ولأقع في الحرج حين يحضر

في أحاديث عادية أتبادلها مع شخص ما،

وأثناء التسوق بين الخضار والخبز وشتلات النعناع

أو على حجري في المواصلات العامة،

وفي الطريق إليها أبكي

وفي مكتبها أنهف وأبتهل بالتأسف.

كان الموت بالنسبة لي حينها خير مكان

أذهب إليه فقط لأنام،

تاركة خلفي كل الأشياء والمهمات

التي تتوقع مغادرتي الكريولة والحوش،

أردت النوم حيث السلام وسط الصمت المتراكم

كما هو في شط الهنشير

وين ما بوي وخوي في رقادهما الأخير،

ولكن كيف أذهب إلى ذلك السلام؟

 

 

لم أعرف فعليا

أنني كنت جادة، حتى التقطت

أحد الصباحات ورقة صغيرة

كانت دستها كارن في يدي،

وحذفتُها بعد عودتي

فوق الكامدينو دون النظر إليها

وشغلتني عنها رياح تتناطح فسط راسي.

نقرت بفضول.. كليك،

فلمع الرقم،

قصير متجانس بلون أحمر،

مكتوب تحته: خاص

بسماع من تراودهم

رغبة الانتحار.

 

 

لكني 174 سم

لأنه وكما تعتقد لا بد

من تناول دواء يربط

هذه المشاعر الفوضوية ويسد

قنوات الدموع المنبثقة تقريبا

من كل ملليمتر مربع من جلدي،

من كبدي وكلوتي وشراييني وأوردتي ورئتيَّ،

قررت كارن في آخر جلسة في سبتمبر

من نفس العام 2021 تحويلي

إلى طبيب نفسي،

لذا فوق بحر الدموع ذاك سبحت

إلى الطبيب الذي ساعدتني

حبته الصغيرة البيضاء على الطفو،

أبلعها مع الماء مرة واحدة في اليوم،

وبفضلها واصلت التماس

مع مشاعر أقل التهابا،

ومع نفس فتحت عيونها من جديد

وتسعى رويدا نحو حياة خاصة

منعزلة لكن ستائرها أقل سمكا..

حسنا، لن أقول تعافيت

ربما لن أتعافى،

لكني منجذبة إلى بضع نقاط ضوء تشدني

لكرسي في الشرفة أو لفتح نافذة،

مجددا نقدر نتنفس

(ليس تعبيرا مجازيا)

ونقدر نعبّر من دون تلعثم،

نقدر نضحك دون أن يؤلمني وجهي،

وأتحسس السلام بقدمين نظيفتين،

كما وأن الأحاديث مع الناس جفت

مثلما تجف الملابس تحت الشمس.

 

 

لهذا اليوم

وأنا أحدق في كآبتي

لا أجدها

غامضة، ولا غولة،

بل

وكما بدت لي

حالة رفض للتكيف،

 

 

تقول نوال السعداوي

عن العصاب إنه يشبه الكآبة

وأن التكيف هو العصاب،

وأحب تعريفها هذا

منذ وقعت عيني عليه

في مراهقتي البعيدة.

ولتوضيح ما أقصده،

في جواز سفري الجديد

مكتوب في خانة الطول: 172سم،

فيما طولي 174سم.

وهاذين السنتيمترين الاثنين المسروقين،

صنعا فيما يبدو كل هذا الظل

الشاحب في روحي،

حيث تعيش الكآبة.

فلطالما حُشرت بالخطأ نفسه

في حياة مشمّرة

بمسافة 2 سانتي

يسمونها حياتي،

فيما ارتفاعها فقط

ميترو واثنان

وسبعون سنتيمترا.

 

 

أقفلت اليوم

ملفي لدى الطبيب النفسي.

سأجد حياة بالمقاس الصحيح

وبلا حبة صغيرة بيضاء

وكما آمل

دون حاجة لرقم أحمر.