هكذا كانت.. وهكذا كنا!

الزمان: العام الدراسي 1970- 1971

المكان: المدينـة الرياضيـة – طرابلـس

المناسبة: المهرجان الرياضي المدرسـي

التصوير: أحمد إسماعيل، وحسين المصري

 

كنا طالبات في المرحلة الثانوية والنشاطات المدرسية كانت في أوج فعالياتها. تدربنا حوالي شهر ونصف بمعدل مرتين أسبوعياً في ساحة مدرستنا (مدرسة طرابلس الثانوية للبنات) استعداداً ليوم المهرجان الرياضي الذي كان يُقام لأول مرة في المدينة الرياضية، والذي شاركت فيه أيضاً طالبات من معهد جميلة الأزمرلي وطلبة من بعض المدارس الثانوية للبنين وطلبة تحت التدريب العسكري.

التنسيق بين مدرّسي ومدرّسات التربية البدنية في المدارس المشاركة كان على أعلى مستوى، والخطة الموضوعة لتشكيلات العروض الفنية والتي على أساسها تمّ تدريبنا كانت مُحكمة لدرجة أنه عندما تلاقينا أول مرة يوم المهرجان نفسه مع بقية الطلبة والطالبات وجدنا أنفسنا في اندماج رائع معهم. وكل واحد منا كان يعرف مكانه وما هو دوره وكأننا تدربنا مع بعضنا البعض منذ البداية!

قبل يوم المهرجان تمّ استدعائي من قبل إدارة المدرسة لإبلاغي أنه قد وقع عليّ الاختيار مع زميلة أخرى لحمل العَلَم خلال المهرجان بالمشاركة مع طلبة آخرين تمّ اختيارهم من قِبل إدارات مدارسهم. سعدت جداً بهذا الاختيار لأن الراية بالنسبة لي تعني أقوى وأهم رمز للوطن.

يوم المهرجان صباحاً حضرنا للمدرسة كالمعتاد مرتديات الزي المدرسي والذي كان عبارة على جونة وسترة صدرية (جيليه) لونهم رمادي داكن مع قميص أبيض اللون، وتمّ توزيع اللباس الخاص بالمهرجان علينا وهو الظاهر في الصور. غيرّنا لباسنا واستقللنا الحافلات اللي كانت تنتظرنا أمام بوابة المدرسة وتوجهنا إلى المدينة الرياضية اللي كانت قد افتُتِحت  في السنة ذاتها.

وسريعاً وتحت إشراف مدرّسات التربية البدنية انتظمنا في الأماكن المخصصة لنا في الملعب، وانفصلت أنا وزميلتي على بقية الطالبات وانضم إلينا أربعة طلبة من مدرسة علي وريث الثانوية حسب ما أذكر. ثم تقدّم بعض المسؤولين من وزارة التعليم وسلموا لنا عَلَم الجمهورية المطوي بعناية في مشهد مهيب. وبكل تعظيم وإجلال فتحنا العَلَم وحملناه على الأكتاف متقدمين الصفوف لافتتاح المهرجان على أنغام الفرقة الموسيقية الرسمية اللي كانت موسيقاها تملأ المكان إلى أن وصلنا لمنصة الراية وتمّ رفع العَلَم على الصاري ليرفرف عالياً.

كانت لحظات مؤثرة ما زلت أتذكر جميع تفاصيلها إلى يومنا هذا!

بعدها بدأت العروض التشكيلية الفنية بسلاسة صحبة الموسيقى وانضممت أنا وزميلتي إلى فريق مدرستنا وكان العرض رائع بكل ما في الكلمة من معنى. بعد الانتهاء عدنا للمدرسة في نفس الحافلات والسعادة والبهجة واضحة على وجوهنا. غيّرنا لباسنا ودخلنا للفصول لاستكمال اليوم الدراسي الذي كان قد بقيت فيه حصتان فقط.

أحمد الله أنني ما زالتُ احتفظ بصور المهرجان إلى يومنا هذا بالرغم من أنني عشت في أكثر من دولة في الأربعين سنة الماضية. لربما تكون هذه اللقطات شاهداً على صفحة من صفحات تاريخ ليبيا وذكرى جميلة ليوم من أيام الصبا قضيناه في المدينة الرياضية مع طلبة المدارس الثانوية. لم تتعرض في ذلك اليوم أي من الطالبات لأي معاكسة أو تحرش أو حتى لمجرد كلمة خارجة سواء من الحضور أو من الطلبة الذين كانوا طوال الوقت في غاية الانضباط والتأدب!

واليوم أقول، هكذا كنا وهكذا كانت ليبيا. وأتساءل بعد مرور هذه السنوات الطويلة: ما الذي تغيّر؟ ولماذا تغيّرنا؟