رزق حكومة

كنت أملك شذرات من المعرفة، صنعتْ على وجهي كلّ هذه الأخاديد والندبات، ولكني لم أبال، لا بحجم تلك المعرفة، ولا بما خلّفته، كنت قلقًا إزاء قيمتي فقط لا غير.

لا أذكر متى وُلدتُ تحديدًا، وكيف استقرّ بي الحال متنقلًا بين قاعة وأخرى، حسب العجز والحاجة إليّ، غير أني أذكر جيّدًا أوّل ما حُفر على صفحة وجهي: A + O = H

وعرفت أن هذه اسمها معادلة الحبّ، ولفترة غير بسيطة اعتقدت أن ناتج المعادلة H هو الحرف الأول من كلمة “حُبّ”، فهو سيُنطق “هُبّ” بطبيعة الحال واللسان، ولكن ضحكات ساخرة في وجوه تأمّلتني، أخبرتني أن الحب بالإنجليزية Love وليس Hob!! لا يمكن لومي على أي حال.

أقسى أخاديدي تلك التي سبقت ساعات الامتحان، لحظات محمومة، حُفرت فيها على خدّي ملاحظات عن بعض القواعد في لغة أعتقد أنها الإنجليزية، وبعض القواعد النحوية في اللغة العربية، بعضها كان محيّرًا؛ معادلات تشبه معادلات الحب، ولكنها لأسماء لم أخمنها، تضم إلى جوارها بعض الأرقام، عرفت لاحقا أنها معادلات كيميائية… تعلمت أيضًا بعض قواعد الجبر والهندسة، والطبيعة والإحصاء، كنت أقدم خدمات جليلة لمن يجالسني، فيجدني أحتفظ بما أودعه عندي لوقت الحاجة، اللهم إلا إذا استُبدل بغيره غصبًا.

يكتفي البعض بمداعبة وجهي بأقلام الرصاص، يكاد يُرى أثرها، ولكن البعض الآخر لم يتردد في صبّ جام غضبه، أو حزنه عليّ، إما برأس قلم الحبر الجاف، أو برأس الفرجار، فلا تعود وظيفة تلك الأداة المؤذية رسم الدوائر في الكراسات بقدر صناعة تضاريس جديدة، ما أرادها لي صانعي منذ البداية.

لا أنكر؛ ثمّة لحظات هدنة وسلام، تأتي إثر مصارحات وفضفضة، تنتهي بتلوين وجهي بالأحرف الأولى مزينة بالقلوب والنجمات، وأخرى إثر لحظات الملل والفراغ تنتهي برسم عين واحدة بحاجبها، وجهي مزدحم بالعيون الوحيدة، صرتُ أعرف من الرسّامين أكثر مما يعرف تاريخ الفنّ.

استُبدلتُ ومن معي بمقاعد جديدة، حديثة، تُثبّتُ على الأرض، غير قابلة للحركة أو الانزلاق، هذا يعني ألا أحد سيستعملها ليسد باب القاعة في وجه المعلم مثلا، ولن تتحول إلى أداة حرب حين يقرر أحدهم تحطيم عظم فخذ زميله. لا تدري هذه المقاعد عما ينتظر وجوه أسطحها اللامعة، تذكرني بشبابي، حين كنت متفائلا، شغوفا بدروس الحياة التي سأتعلمها، لم أدرِ أنها ستتحوّل إلى خارطة عُمر، تحكي حكاية كلّ المارّين بي.

ثمّ رُميتُ كيفما اتفق، وبصورة عشوائية في مستودع ضخم مظلم، ولم يمسّني من يومها لا قلم رصاص، ولا قلم حبر ولا فرجار، فقط ذرات الغبار، ومسمار بارز في مقعد أُلقي فوقي، حفر مع مرور الأيام ندبته هو الآخر، كان الأمر أشدّ إيلامًا من كلّ ما سبق، ولكني اعتدته أيضًا.

يوم فُتحتْ بوابات المستودع ظننتُ أنها العودة لقاعات الدراسة والحب والدردشة، ولكن الداخلين لم تبدُ عليهم أمارات من سبقوا، كانوا يحملون سلاحًا مدببا يشبه الفرجار غير أنه أكبر حجما وله فوّهة وقحة، خفت.

اختاروني وصاحب المسمار من فوقي واكتفوا بنا، أُلقينا على قارعة الطريق أمام بوابة المعهد. أنا غير معتاد وغير مُصمَّم لقوارع الطرق فهالني ما رأيت… على بعد خطوات استقرّت آليّة ضخمة، عرفت أنها تدعى دبّابة، لها صوت مستفز، ورائحة نتنة، ونظرة ماكرة، لم آلفها، لا أنا ولا رفيقي ذو المسمار. ولكنني -من جديد- اعتدتها وقد بقينا ملقيين هناك لمدة تزيد عن الثلاثة أشهر. وشهدتُ تحوّل مبنى المعهد إلى أطلال.

حتى قارعة الطريق حملت لي معارف جديدة، تلوّثتُ بسجائر شتى فحفظت أسماءها، لُطّختُ بمشروبات شتّى، كان لبعضها روائح نفاذة مزعجة.. اعتدتها.. مجددا.

ولكن أقسى أنواع هذه المعارف كان ندبة جديدة، أكثر عمقًا، صنعتها قذيفة عرفت بعدها أنها ما يدعونه 14.5، وعلى خلاف من سبقوها، كانت حارّة جدًّا في البدء.

منذ يومين، سمعتُ صوتًا ينادي بحرقي وما تبقى من رفاقي الباقين في المستودع، علّنا نؤخر “العدوّ” ونعيق حركته.

ألقى أحدهم ملاحظته بلا مبالاة حقيقية: هذه مقاعد المعهد.

ردّ الآخر بحكمته الراسخة: رزق حكومة، ربي يدومه.

هذه العبارة مرت بي سابقا في كل مرة صُنعتْ على وجهي ندبة جديدة أو أخاديد جديدة، وفي كلّ مرة سمعت صوتا يوبخ الصغار بألا يؤذوننا، وينصحهم بالمحافظة علينا، كانت تلك العبارة تأتي همسًا كاتفاق ضمني، وكانت تعني ألا قيمة لحياتي.

ولقد تأكدت حين جرجرنا للحرق ألا قيمة لنا، ألا قيمة لكلّ ما قدمناه ولكل ما خسرناه.

أنقذَنا تقدّم “العدوّ”، حتى إشعار آخر.. وحين تحركت المنطقة من جديد ببشر يشبهون من اعتدتهم زمان، اتُّخِذ قرار التخلص منا مجددا، سمعت أحدهم يهمس لآخر: صفقة فاسدة بحجة مقاعد جديدة ستعوّض أحدهم خسائره في الحرب. فيردّ الآخر: عادي.. رزق حكومة ربي يدومه.

في المكبّ أُلقينا، وقبل المحرقة بيوم زارنا رجل مُسنّ، يبحث عن شيء ما، التقط بعض الألواح والمسامير، ثم وقع بصره عليّ، تحسّس وجهي، لا بُدّ أنه لاحظ الشبه بيننا؛ إذ ألقى بكل ما جمعه وجرجرني إلى سيارة النقل الصغيرة التي جاء بها.

لا أدري ما صنعه بي تحديدا، ولكن تجاعيدي بدت جذابة للرجل لسبب أجهله، وأنا الآن مكتبة مصغرة، عبارة عن ثلاثة أرفف، يحيط بها المعدن الأخضر الذي كنت أتوكأ عليه. ثمّة طفلة سعيدة بما صنعه جدّها، فالأجداد طيبون، والصغار يحبون القصص والمجلات المصوّرة، هذه معارف جديدة، وأنا الآن بالكاد أملك القدرة على التذكّر.

وحين لقّبتني البنت ب”مكتبتي” أمام بنت في عمرها عرفت أنني ما عدت “رزق حكومة”، وربما ستصبح لي قيمة الآن.