بركة ماء.. نظرات في الثورة الليبية

كانت الانتفاضة التي أسقطت نظام معمر القذافي في ليبيا سنة 2011 بمثابة حريق هائل لم يسلم منه ليبيٌّ، سواء أكان داخل البلد أم خارجه، وحار في أمره المراقبون في شتى أرجاء العالم. في الوقت الذي زلزلت فيه الاضطرابات تونس ومصر المجاورتين، دفعت دراما الثوة الليبية، بجموحها وشدتها، جامعة الدول العربية والأمم المتحدة إلى القبول بتدخل عسكري بقيادة حلف شمال الأطلنطي (ناتو)، فبدا لوهلة عابرة أن العالم كله معنيٌّ بمستقبل ليبيا. وكان اصطياد القذافي وإعدامه في أواخر أكتوبر من عام 2011، بعد عشرة شهور من المعارك القاسية، نصرا محققا، وفي الوقت نفسه كان ـ مثلما تبيَّن ـ تحديا هائلا. فلم تكن إعادة بناء ليبيا بالمهمة التي تُعنى بقية العالم بتوليها، ولم تكن مشروعا الليبيون أنفسهم مستعدون له استعدادا جيدا.

شأن بركة ماء، تبدو ليبيا وكأنها تعكس صور الناظرين إليها بقدر ما تكشف عن أعماقها هي. ويتبين من استعراض هذه الكتب الصادرة في أعقاب الانتفاضة ما ينطوي عليه هذا البلد الصغير من تعقيدات محيِّرة. فالنقاشات حول دور البلد في العالم، وشخصية قادته، ومعنى تاريخه وآفاق مستقبله، كلها معروضة في هذه الكتب التي صدرت جميعا بالإنجليزية خلال السنوات الخمس التالية للثورة[1]، وكلها عدا واحدا من تأليف أوربيين أو أمريكيين ـ هم صحفيون ومسؤولون حكوميون وأكاديميون ـ وليس الاستثناء إلا سيرة الروائي البريطاني الليبي هشام مطر. وعلى حد قوله:

كل ما كتب عن تاريخ البلد الحديث لا يتجاوز بضعة أرفف في مكتبة… ولزام على كل ليبيٍّ يرجو أن يظفر بطرف من ذلك الماضي أن يدخل هذه الكتب دخول المتطفل على حفل خاص وهو يعلم تمام العلم أن أغلبها لم يكتب لا بأيدي الليبيين ولا لهم، ومن ثم فهي في جوهرها روايات تتعلق بحيوات الآخرين، ومغامراتهم وعثراتهم في ليبيا، وكأن بلد المرء لا يعدو فرصة للأجانب كي يطردوا شياطينهم ويعيشوا صبواتهم[2].

تؤكد الكتب التي ينظر فيها هذا المقال ملاحظة هشام مطر، فهي كثيرا ما تتناول آمال الأجانب وأحلامهم بقدر ما تتناول ليبيا نفسها، وتعكس تماما نضالها من أجل تعيين مكانها في العالم وكتابة تاريخها بيدها.

تأثيرات دولية: ليبيا في العالم

قد ينفعنا عند بدء النظر في تصوير أدب الثورة للبلد أن ننظر إلى السياق الجيوسياسي. فلقد كانت ليبيا، في نهاية المطاف، عند قيام الثورة “دولة منبوذة” منذ عقود، ولم تسترد وضعها إلا في وقت حديث نسبيا، ولم تزل بالنسبة للكثيرين خارجها بلدا غامضا. ولقد تطوع تشورين Chorin – حسبما يخبرنا في سرده النمائمي المعلوماتي المحب في كثير من الحالات – للعمل مسؤولا تجاريا اقتصاديا في مكتب الاتصال الأمريكي حديث التأسيس في الفترة من 2004 إلى 2006 فـ”لم تكن أماكن كثيرة أخرى في المنطقة على ذلك القدر من الغرائبية”[3].

يرى اثنان على الأقل من هذه الكتب ليبيا بصورة شبه تامة وكأنها قطعة في أحجية، أو كأنها – في تشبيه أفضل – كرة بلياردو في نظرية العلاقات الدولية الواقعية الكلاسيكية. وعدم معرفة المؤلفين إلا القليل عن البلد لا يعرقل حججهم، لأن ما يعنيهم هو الجغرافيا السياسية للدعم الدولي للثورة.

يقدم كرستوفر تشيفيس أستاذ العلوم السياسية في مؤسسة راند الذي كان -على حد تعبيره- “يعمل في البنتاجون في ذلك الوقت”، سردا واضحا هادئا تكنوقراطيا لعملية صنع القرار التي أدت إلى تدخل الناتو. ويذهب إلى أن:

الحاجة إلى تصميم حلول قليلة التكلفة لأزمات مثل التي شهدتها ليبيا في مارس 2011 سوف تظل تلازمنا لسنين كثيرة. فدراسة ما تحقق وما لم يتحقق في ليبيا تمدنا برؤية عميقة لحدود التدخل الليبرالي وإمكانياته -والمقصود بالتدخل الليبرالي هو استعمال القوة لحماية القيم الليبرالية الأساسية من قبيل حقوق الإنسان وسيادة القانون والحكم الدستوري[4].

يبدو تشيفيس غافلا عن أنه ما كان لشيء من تلك “القيم الليبرالية” وجود في ليبيا ليحمى، سواء قبل تدخل الناتو أو بعده، والحق أنه لا يكاد يقضي وقتا يذكر في ليبيا، وإنما تجري جميع الجدالات التي يحكيها في واشنطن. وهو يعترف بأن “التدخل سوف يبدو مختلفا بلا شك في حال سقوط ليبيا في حرب أهلية طويلة أو ظهور دكتاتور جديد من داخل المعترك”[5]، ولكن ذلك لا يستنفر سؤالا عما إذا كان مخططو أو منفذو هذا التدخل كان يجب أن يدرسوا المشهد السياسي المحلي بمزيد من الحرص.

الحق أن تشيفيس يوثق جهلا مدهشا في واشنطن بشأن ليبيا، ويصف ما يطلق عليه “غيابا أساسيا لليقين” ويرسم ملامح “عدد من النتاجات المتصورة” كان بوسع أي مراقب خبير بليبيا أن يستبعدها لغرابتها: “لو انتهى البلد وقد قسِّم بين شرق محرر وغرب يحكمه القذافي فلن يكون التخطيط لما بعد الصراع لازما إلا في الشرق. وإذ توصل التفاوض إلى تسوية يتنحى بموجبها القذافي ويبقى النظام، لم يكن واضحا كيف يمكن التقدم في إعادة الإعمار”. وحتى في حالة النظر في سيناريوهات أقرب إلى المعقول يبدو أن الشاغل الأهم لم يكن الجاذبية وإنما الميزانية: “كان ثمة أيضا… تخوف متزايد من أن القذافي قد يلجأ إلى حملة الأرض المحروقة بما من شأنه أن يجعل متطلبات موارد ما بعد الحرب تصل إلى عنان السماء”[6].

يعترف تشيفيس بتحول تدريجي: فالمنطق الظاهري لتدخل الناتو – أي مبدأ الأمم المتحدة المعروف بـ”مسؤولية الحماية” – سرعان ما أصبح تغيير النظام. لكنه يقول “إن ثمة أدلة على مزاعم بأن الولايات المتحدة وحلفاءها استدرجت أعضاء آخرين في مجلس الأمن إلى التصويت على تدخل محدود في حين أنها كانت تعتزم تماما أن تطيح بالقذافي منذ البداية…”[7]. وقد لا يكون الأمر كذلك، لكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أعلن أن القذافي قد “فقد شرعية الحكم وينبغي أن يفعل ما هو في صالح البلد فيغادر الآن”[8]. وهذا أشبه ما يكون بدعوة إلى تغيير النظام.

تغيب أيضا عن إعلان تشيفيس أن العملية “استحقت ما حظيت به من صفة النجاح” حقيقة أن أهدافها كانت غامضة ومتغيرة. فهو يقول إنه “في غضون سبعة أشهر من العمليات، حافظت قوات التدخل على حظر السلاح، وسهَّلت الإغاثة الإنسانية، وفرضت منطقة حظر طيران وحافظت عليها، وساعدت في حماية المدنيين الليبيين من السلب والنهب على أيدي قوات القذافي”[9]. ولكن هذا غير صحيح بالكلية، إذ انهمر السلاح على البلد طوال أمد الصراع. أما عن “الأهداف السياسية بعيدة المدى” فهو يخبرنا بأن “سنين كثيرة” سوف تمر قبل أن نعرف إن كانت قد تحققت. وما من شك في أن هذا صحيح، خاصة وأن أحدا في ما يبدو لا يعرف ماذا كانت تلك الأهداف أصلا.

يثق مكسميليان فورت، أستاذ الأنثروبولوجي في جامعة كونكورديا، في أنه يعرف ماذا كانت الأهداف من تدخل الناتو، ويعرضها في بلاغة، وإن أعوزه الإقناع في نهاية المطاف، في كتابه “تمشية إلى سرت: حرب الناتو على ليبيا وأفريقيا”. يلخص فورت موقفه في إيجاز: دافِع الغرب هو الإمبريالية الجديدة neo-imperialism و”حملة الناتو تمثل العسكرة المستمرة للسياسة الخارجية الغربية والأمريكية بصفة خاصة وصعود ’الإنسانوية العسكرية’ الجديدة”[10]. وهذه حجة مقبولة، ففي نهاية المطاف، كانت فكرة تحمُّل بعض الحكومات “مسؤولية حماية” مواطني بلد آخر من حكام بلدهم حجة مناسبة احتجت بها القوى الإمبريالية على مدار قرون. وتذكروا أن الإيطاليين أعلنوا عند غزوهم الأراضي الليبية في عام 1911 أنهم ما جاءوا “لإخضاع واستعباد شعوب طرابلس وبرقة وغيرهما من بلاد الداخل، الخاضعة حاليا لاستعباد الأتراك، وإنما لحمايتهم من هؤلاء الطغاة بالذات…”[11]. ولنا في السلاسة التي انزلقت بها مهمة الناتو من “حماية المدنيين” إلى “تغيير النظام” كثير من الأسباب التي تدعونا إلى التشكيك في ذلك التدخل الإنساني.

غير أن قراء فورت يبدأون في الإفلات منه حين يشطح إلى الاحتجاج بأن غرض هذه العسكرة تمثل في “تمزيق نمط ناشئ من الاستقلال وشبكة تعاون داخل أفريقيا كان من شأنها أن تيسر تزايد اعتماد أفريقيا على نفسها”[12]. مؤكد أن كثيرين من غير الليبيين، في أفريقيا وغيرها، كانوا يقدِّرون تصدي القذافي للسخرية من الأعراف والقواعد الغربية. فنيلسن مانديلا على سبيل المثال كان يقدر بشدة الدعم الليبي لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في حقبة الأبارتيد وكذلك الكثير من الحركات الثورية المناهضة للإمبريالية الأقل شهرة أو ربما الأقل نجاحا، كالجيش الجمهوري الأيرلندي أو منظمة التحرير الفلسطينية. غير أن انتقاد تدخل الناتو، وإن رآه المرء جزءا لا يتجزأ من استراتيجية أمريكية نيوإمبريالية هائلة في أفريقيا، لا ينبغي أن يتسامح مع القذافي ويصمت عن انتقاده مثلما يفعل فورت.

لقد استغل القذافي ثروة ليبيا النفطية الهائلة في شراء الأصدقاء والحلفاء في عموم أفريقيا على نحو فعال كريه. ولم يكن ذلك يتعلق بـ”اعتماد أفريقيا على ذاتها” -برغم ولاء نيلسن مانديلا العتيد للقذافي- بقدر ما كان يتعلق ببذر أسباب الفوضى في القارة. ومثلما تروي الصحفية البريطانية ليندسي هيلسم في كتابها “العاصفة الرملية”، الذي تتناول فيه الانتفاضة بإيقاع سريع وإنصاف واضح، فإن الطلبة توافدوا من شتى أرجاء العالم على (مركز القذافي العالمي لمقاومة الإمبريالية والصهيونية والعنصرية والرجعية والفاشية). “لكن قائمة الخريجين الأفارقة مذهلة من حيث الفوضى التي جلبوها إلى أوطانهم: تشارلز تيلور الذي أحال ليبريا إلى ساحة قتل… وفوداي سنكوح الذي اشتهرت قواته في سيراليون بتقطيع أطراف الناس، ولوران كابيلا الذي أطاح بموبوتو سيسي سيكو في زائير وترأس نظام حكم لا يقل قسوة…”[13].

يدافع فورت عن نظام القذافي من خلال التركيز البارع المثير على سرت، بوصفها مدينة القذافي الأثيرة في ليبيا وبوصفها في الوقت نفسه المدينة التي اختارها لتكون عاصمة “الولايات المتحدة الأفريقية” التي كان يرجو إقامتها. وما كان كثير من المراقبي ليولوا مدينة سرت الأهمية التي يوليها لها فورت في التاريخ الليبي، ناهيكم عن الأفريقي، والحق أنها توفر عدسة نافعة لمعاينة ودرس دعم نظام القذافي. لكن فورت في معرض تصويره لليبيا في ظل حكم القذافي بوصفها بلد “رخاء واستقلال وجرأة”[14]، يقلل من حجم الضرر الذي ألحقه النظام داخل حدود ليبيا وخارجها. فضلا عن أنه باتخاذ ليبيا نموذجا لدراسة النيوإمبريالية الغربية في أفريقيا يهمل دور لاعبين دوليين آخرين. فتاريخ تورط تركيا وقطر ومصر والإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، بدعمهم فصائل الثوار المتنافسة، بقي عائقا جسيما يحول دون المصالحة بعد سنوات كثيرة من انهيار نظام القذافي، وهذا تاريخ لم يكتب بعد لكن لا ينبغي أن يطويه النسيان.

ولو أن طبيعة الدعم الدولي لانتفاضة ليبيا لم تزل موضع نزاع، فذلك أصدق على المشهد الداخلي في ليبيا. والحق أن الروايات “التاريخية المعاصرة” العديدة التي تتناول الثورة الليبية ويتناولها هذا المقال لتمثل نموذجا مذهلا لاستعمال التاريخ نفسه سيفا ودرعا، وتبدو غالبية التحليلات الأجنبية غير واعية (أو ربما غير معنية) بالانحيازات السياسية الكامنة داخل تأويلات التاريخ الليبي الذي تكرره.

الماضي القريب: انقسامات داخل النظام القديم

لنبدأ بما ينبغي أن يكون سؤالا يسيرا: كيف بدأت الانتفاضة؟ واضح أننا نعرف في سياق اضطراب البلدين المجاورين تونس ومصر. أثار اعتقال محامي حقوق الإنسان فتحي تربل مظاهرة في بنغازي في 15 فبراير قام بها قرابة 200 من أقارب سجناء لقوا مصرعهم على أيدي قوات أمن ليبية في مجزرة موثقة في سجن أبو سليم سنة 1996. أعقب ذلك “يوم الغضب” في 17 فبراير، وفيه اعترت المظاهرات البلد. وفي 20 فبراير ألقى سيف الإسلام القذافي “النجل الإصلاحي، والمفاوض، والوسيط، وسيف أبيه” خطبة مثيرة “انتقل [فيها] بين عشية وضحاها في ظاهر الأمر، من الشخص الذي يعوض جنون أبيه إلى نسخة منه في جنونه”[15]. وسرعان ما أعقبت ذلك استقالة وزير العدل من الحكومة، ليعقبه وزير الداخلية، والنائب العام، والعديد من السفراء. وبحلول 27 فبراير تم الإعلان عن تشكيل المجلس الانتقالي الوطني في بنغازي ليقوم مقام “الوجه السياسي للثورة”. كانت الثورة قائمة.

وحسبما يذكِّرنا تشورين فإن كثيرا من الشخصيات البارزة، ما لم يكن أغلبها، كانت تعمل في أولى أيام الثورة داخل النظام، محامين وقضاة ودبلوماسيين، وكانوا أعضاء في ما قد يطلق عليه الجناح الإصلاحي في نظام القذافي. وهكذا فإنه يرجع تاريخ بداية النهاية لنظام القذافي إلى عجز كل من النظام والولايات المتحدة عن استغلال صفقة 2003 التي أنهت عقود العزلة الليبية. فقد كان يمكنها أن “توفر فرصة لكلا الطرفين، أي ليبيا والغرب، للقطيعة مع الماضي، وإعادة تشكيل العلاقة لتصبح أنضج وأقدر على الدوام”[16]. ويطرح “سؤالا محوريا…عما لو أن الشاب الليبي، أي مادة الثورة الخام، كان يمكن أن يحتمل هذه الانتفاضة، دون عنصر مضاف، كادر يستطيع التنسيق بين الأفعال الجارية غداة ’يوم الغضب’ ومعارك الشوارع الناجمة، في الوقت الذي يفصِّل فيه أوليات خطة…”، ويقدم إجابة قاطعة:

“إن إصلاحيي القذافي، والدوائر متحدة المركز من الأفراد الذين كانوا بين مؤمنين بنفع الحوار أو مؤمنين بإمكانيته، هي التي وفرت هذا العنصر الحاسم. ومن المفارقات أن الكثيرين من “المنتمين إلى النظام” الذين يتعرضون اليوم للانتقاد بسبب ارتباطهم به ربما كانوا عنصرا انتقاليا لازما. فهل كانت الولايات المتحدة لتستجيب لمناشدات المساعدة التي جاءت من أفراد لم تكن تعرف عنهم أي شيء  بالمرة؟”[17]

يردد تشورين هنا – علم بذلك أم لم يعلمه – صدى فرضية عتيدة في العلوم السياسية بأن انهيار أنظمة الحكم الاستبدادية يبدأ بصدوع في النظام نفسه. إذ يظهر “المتشددون” و”الليِّنون”، فيقيم الليِّنون تحالفات ضمنية أو سافرة مع أفراد في المعارضة التي يصفها تشورين في السياق الليبي بـ”المعارضة الإسلامية، والناشطين التجاريين، والجماعات المنشقة”[18]. وفي الانتقالات السلمية، غالبا ما تكون طمأنة أفراد في النظام نفسه بأنهم سوف يحصلون على دور في الحكم التالي أو يحظون على الأقل بخروج آمن جزءا من معاهدة سياسية واضحة، وفي الانتقالات الثورية، يشير التاريخ إلى أن “الليبراليين” في كل من النظام والمعارضة هم الذين يرجَّح تهميشهم خلال عهد الإرهاب اليعقوبي[19].

هيلسم أقل تفاؤلا من تشورين حيال ما ينتظر من النظام الحاكم في ما بعد العقوبات في ليبيا، فترى أنه “في الوقت الذي شهد بداية خروج ليبيا من عزلتها، قلت طبيعة النظام الحاكم الدكتاتورية وزادت طبيعته المافياوية…فطالما كان أقارب القذافي وأصهاره يحتلون مناصب رفيعة، فحان في ذلك الوقت دور الأبناء”[20]. والواقع أن كليهما قد يكون على صواب: فشأن جمال مبارك في مصر، أراد سيف الإسلام القذافي أن يرث نظام حكم تنعكس فيه شروط السلطة في القرن الحادي والعشرين وذلك كان يقتضي إصلاحا. وهكذا مضى تحالف النظام الليبي المتزايد مع الأقارب يدا بيد اقتراب مواز من مشككين في النظام بل وخصوم له في سنوات ما بين 2003 و2010.

ربما ما كان ينبغي الاندهاش من أن مصلحة سيف الإسلام في الإصلاح كانت نافعة، ولكن عندما ألقى سيف الإسلام خطبته العنيدة في العشرين من فبراير سنة 2011، كانت الصدمة وخيبة الرجاء واسعتي المدى. تشورين وهيلسم وآليسن بارجيتر ـ محلل الأبحاث والاستشاري المقيم في لندن الذي يمثل كتابه “ليبيا: قيام القذافي وانهياره” سردا عرضيا جريئا للتاريخ والسياسة في ليبيا ـ أنفقوا جميعا صفحات في تفسير دوافع سيف. فتساءلوا، مع كثير من الليبيين الذين عملوا معه، عما لو أن سيف الإسلام الذي رأوه في تلك الخطبة كان إصلاحيا مخلصا أرغمه والده وإخوته قهرا على التخلي عن قناعاته الليبرالية أم أميرا عديم المبادئ ادعى الليبرالية ادعاء ليفوز بالدعم الدولي والنخبوي لمطامحه. مؤكد أن عملية التفاوض بشأن قرار قضية لوكيبري والتخلي عن جميع قدرات تصنيع أو نشر أسلحة الدمار الشامل، وكان سيف الإسلام يناصر الأمرين، تشير إلى النفعية أكثر مما تشير إلى الإخلاص، والعزم على فعل أي شيء، ودفع أي ثمن، لرفع العقوبات التي كانت تضير بالإرث العائلي. ومثلما يقول هشام مطر في السيرة التي كتبها حول البحث عن أبيه المعارض البارز الذي اعتقل في سجن أبو سليم ويحتمل أنه قضى نحبه في مجزرة 1996 “كانت مشاهدة خطبة سيف الإسلام أشبه بمشاهدة شخص يمزق قناعا”[21].

يبدو أن بارجيتر تصيب في قولها إن “سيف الإسلام بات يتحول أكثر فأكثر إلى نسخة من أبيه.. ومثلما أصر الأب على أنه لا يحتل منصبا رسميا وأنه لا يعدو قائدا للثورة، ظل سيف الإسلام يصر أنه محض قائد للمجتمع المدني في ليبيا”[22]. أي أنه كان نسخة محدثة من حاكم استبدادي هوائي غير مشغول إلا بنفسه، أما مسألة أنه كان الأمل الأكبر للإصلاحيين فلا تغير من ذلك الأمر شيئا. ومن نواح كثيرة، فإن غياب أي التزام جاد دقيق عميق بالمبادئ السياسية لدى من يصفهم تشورين بأنهم “رأوا الحوار الإصلاحي نافعا أو آمنوا بإمكانيته”[23] قد أعجز أولئك الإصلاحيين أنفسهم عندما تحرروا من أدوارهم داخل النظام القديم.

يصف بيتر بارتو – في الكتاب الممتاز الذي حرره كل من بيتر كول وبرايان مكوين بعنوان “الثورة الليبية وما أعقبها” – عواقب القيادة عديمة المبادئ في المجلس الوطني الانتقالي:

“كان الهم الشائع في الجماعة المنتقاة المؤلفة من محامين وأكاديميين ووزراء القذافي السابقين والسفراء والشباب والسجناء السابقين والنساء ونواب الأقاليم ووصوليي زمن القذافي من المنافي هو أن يبيِّنوا أنهم لم يتولوا السلطة. شعروا أن بوسعهم فقط أن يتكلموا أو يتصرفوا نيابة عن الشعب الليبي في قضايا تحظى بإجماع واسع… فبعد اثنين وأربعين سنة من حكم القذافي، لم تعد المعارضة – المهمومة بالتمثيل الشرعي – تثق في نفسها أو في العالم الخارجي…”[24]

جمعت المعارضة، ولنتجاسر بإضافة صفة الشجاعة إليها، هؤلاء الثوار معا، لكنهم لم يكونوا بطبائعهم ثوريين أو حتى ميالين للحسم، إنما كانوا تحديثيين وتدرجيين وإصلاحيين قليلي الخبرة بالنقاش المفتوح في السياسات والإجراءات وبلا رؤية مشتركة للمستقبل. وبعد عقود في ظل نظام فاسد مفسد، كثيرا ما بدا أن التنازلات السياسية تعني تنازلات أخلاقية، وكثيرا ما بدا أن الخيارات السياسية تمثل قرارات وجودية. ولم يكن من سبل كثيرة لتأسيس الثقة وإدامتها وسط هذه المجموعة المنتقاة في حين كثرت أسباب استحضار الماضي لتبرير حجج خاصة. وفي ذلك الأمر على الأقل، كان ثمة تمثيل بلا أدنى شك، فقد كانوا في ذلك صورة مصغرة من ليبيا ككل.

انعدام الثقة: نسيج ليبيا الاجتماعي

تبرز جميع الكتب التي يتناولها هذا المقال علة انعدام الثقة باعتبارها خصيصة. لقد كانت عزيمة الشباب الليبي العادي على التصدي لمخاطر استثنائية في سبيل التخلص من حكم قاس هوائي مصدر إلهام واضحا للجيل الأكبر الذي تألف منه مجلس الحكم الانتقالي وحلفاؤه. لكن عزم كثير للغاية من الشباب على وضع ثقتهم في الله والمسارعة إلى المعركة كان له جانبه المدمر أيضا، وهو أنه لا يكاد يوجد ما هو جدير بالثقة. فلقد أدت عقود من النفاق والخيانة والخداع إلى القضاء حتى على أبسط الفضائل المدنية. ويستشهد العديد من الكتاب بقصة الأخوين إشكال بوصفها قصة دالة، إذ تحكي لنا هيلسم على سبيل المثال أنه:

“كان من ذخائر الثوار الأساسية اللواء ركن محمد إشكال [ويعرف أيضا بالبراني إشكال في بعض الروايات]… الذي كان لواؤه يحرس باب العزيزية وأجزاء كثيرة من وسط طرابلس. في عام 1985، خلال فترة تآمر واضطراب في دائرة الحكم الداخلية، أصدر القذافي أوامره بإعدام أخيه العقيد حسن إشكال. مضى اللواء الركن إشكال يداوي في صمت جروحه لأكثر من ربع قرن. وكان قد حاول الانضمام إلى الثوار قبل شهور عديدة لكنهم طلبوا منه أن يبقى حيثما هو حتى يحين الوقت. وحان الوقت [في الحصار الأخير لطرابلس في أغسطس 2011]. يقول البعض إنه أمر رجاله بإلقاء السلاح، ويقول آخرون إنه اختفى فقط تاركا رجاله بلا قيادة”[25].

والحق أن أغلب طاقة الثورة كانت ثمرة عقود من اضطرام الضغينة والمرارة، فلم تسلم أسرة في ليبيا تقريبا من بطش النظام أو مطالبه المهينة. ومثلما يقولها ديرك فانديفالي في كتاب كول ومكوين، فإن نظام القذافي:

“عمد بشكل ممنهج لا إلى تدمير المؤسسات اللازمة لدولة ديمقراطية حديثة وحدها، وإنما شفع ذلك بتدمير الأعراف والترتيبات الداعمة لمثل هذه الدولة، كالثقة في النظام، وثقة الأفراد في بعضهمم بعضا، والعزم على التضامن مع الخاسرين في التنافس السياسي، وكل ما يضمن دوام الأنظمة السياسية… فلم يلق المجلس الوطني الانتقالي إلا إحساسا متدنيا بالمجتمع السياسي وموقف عزوف عام بين المواطنين الليبيين”[26].

ومن المفارقات أن يكون من حاضنات الثقة القليلة المتبقية [مؤسسة] السجن. فمثلما تنبئنا ماري فيتزجيرالد في إسهامها بكتاب كول ومكوين:

“لو أن ثمة ما وحَّد الإسلاميين المتنافرين في ليبيا، فلم يكن ذلك هو الأيديولوجيا ـ في ما يتجاوز الرغبة المشتركة، مبهمة الصياغة في كثير من الحالات، في حكم تضرب جذوره في الشريعة الإسلامية ـ وإنما الروابط التي تشكلت في أثناء الاعتقال بأبو سليم. فكثير ممن حبسوا هناك يتكلمون عن السجن باعتباره من تجارب التكوين التي نوقشت خلالها الأيديولوجيات والاستراتيجيات والتكتيكات… ومن المفارقات أنه يمكن القول في حق سنة واحدة بأبو سليم إنها تعدل سنين عديدة بالخارج من حيث أننا كنا قادرين على الكلام بقدر أقل من الخوف” حسبما تذكر عبدالله شامية، وهو من كبار أعضاء الإخوان المسلمين، وقد قضى في أبو سليم ثماني سنوات، ثم تولى لاحقا حقيبة الاقتصاد في المجلس الوطني الانتقالي”[27].

وهكذا لم تكن المظاهرات المتعلقة بأبوسليم هي فقط الشرارة التي أطلقت الانتفاضة وإنما كانت اعترافا ضمنيا بتفرد السجن نفسه كموقع اختمار فكري ورفقة. يسرد هشام مطر حوارا مع الكاتب والمحرر أحمد الفيتوري. كان الفيتوري قد تلقى وعدد من الكتاب الشبان دعوة إلى معرض كتاب مدعوم من النظام، وتم اعتقال جميع المشاركين آنذاك، قضت الغالبية منهم عقدا في السجن. قال الفيتوري متأملا التجربة “لقد تصور القذافي أنه يؤذيني. لكنه منحني العشرات من الأصدقاء الكتاب. وإن لي الآن بيتا في كل قرية ومدينة في شتى أرجاء البلد”[28]. وتنقل فيتزجيرالد عن زعيم ثوري آخر قوله إن “كل مدينة في ليبيا كان فيها سجناء سابقون، بينهم علاقات ثقة وطيدة خلقت شبكة أمان قوية تنامت سريعا خلال الثورة لأنه كان من الصعب تمزيقها”[29].

لو أن السجن كان ملاذا للثقة وحاضنة لها بين الأقارب والمناطق، فإن غياب السجن ذاته في ما يبدو قد حرم بقية الناس من مثل هذه العلاقات. فالمعتقلون – ما لم يتعرضوا للقتل – كانوا يتركون لشأنهم طوال سنين أقاموا خلالها روابط فكرية وعاطفية عميقة وراسخة. أما المنعمون بالحرية في المقابل فكانوا عرضة لتحرش استبدادي لا يمكن توقعه ولا يمكن توقفه أيضا، وهو وإن يكن أقل إيلاما بدنيا لكنه مبرح الألم عاطفيا إذ يتخذ أشكالا عديدة كالإغراء والمراقبة والانتهاك والإذلال. ويتذكر مطر وعود سيف الإسلام المغدورة دائما بأن يقدم معلومات عن والد مطر بوصفها سلسلة حلقات غريبة مضنية من آمال تتبدى ثم تتبدد. فبدا كأن المعاني المعهودة في الحرية والسجن قد انقلبت رأسا على عقب، ولعل طبيب الأسنان السرتي الشاب الذي استشهد مطر بكلامه إنما كان ينطق بلسان كل الذين هم خارج السجن حين قال “كل منا لديه قذافي بداخله، لقد قتلنا معمر، فبتنا نحسب أن الحل هو المزيد من القتل”[30].

اللوم والفضل: النصر له ألف أب

كان لانعدام الثقة هذا، ولشهوة الانتقام، نتيجتان أضارتا كثيرا بجهود تنظيم الدولة والحكم بعد انهيار نظام القذافي. ومثلما تبين ماريكي ويردا في مقالتها بكتاب كول ومكوين، فإن تعقيدات إلقاء اللوم طغت على الجهود المبذولة من أجل وضع إطار مؤسسي للعدالة الانتقالية:

“كانت العضوية شاسعة في شبكة الأمن المعقدة التابعة للقذافي، فعلى سبيل المثال، يقدَّر العدد في لجان القذافي الثورية – التي كانت مكلفة بتحديد واضطهاد الخصوم السياسيين – بما بين ستين ألفا ومئة ألف… واتصلت بذلك مشكلة أن كثيرا من الليبيين الذين ربما لم يشاركوا بشكل مباشر في أعمال القهر قد استفادوا ماليًّا من الحكم السابق. ونفي عدد هائل، يربو على نصف المليون، إلى تونس ومصر وبلاد أخرى في أعقاب الثورة… ومن هنا كان احتدام الجدل حول سؤال من الذي تنبغي معاقبته على أي الأفعال (أو التبعيات)”[31].

في هذا السياق، سرعان ما طغت دعوات استبعاد المرتبطين بنظام القذافي  – “العزل السياسي” – على “العدالة الانتقالية”. على الرغم من أن المجلس الوطني الانتقالي قد اقترح في الأصل قصر الاستبعاد على “الملوثة أيديهم بالدماء” ـ بتعبير رئيس المجلس ـ فلم يحل صيف 2012 إلا وقد تحولت المسألة – بتعبير ويردا ـ إلى مسألة “أكثر تعلقا بالصراعات الراهنة على السلطة منها بمعالجة الماضي”[32]. غير أن الثوار باستبعادهم جميع من لهم ارتباط بنظام القذافي حرموا أنفسهم تقريبا من جميع أصحاب الخبرة في تسيير الإدارة أو إدارة البلد.

كانت النتيجة السلبية المتصلة الثانية لمناخ انعدام الثقة هي التنافس اللافت على الفضل في الانتفاضة ونجاحها. كان أغلب التنافس غير مباشر، من خلال رموز الماضي وقصصه. وفي هذا الصدد، غالبا ما يبدو كثير من الصحفيين والمحللين الأجانب سذجا أو متواطئين دونما عمد في ما يفترض، إذ يتعاملون مع قصص بطولات الماضي بظاهرها. فتحكي لنا هيلسم على سبيل المثال دونما تمحيص أن “ثورة 2011 كانت جزئيا صراعا على إرث عمر المختار. وكانت أيضا تتعلق باسترداد تراث السنوسي”[33]. ولقد كان هذا صحيحا بلا شك بالنسبة لبعض الثوار، ولقد كان الغرض من تبني مجلس الحكم الوطني – ومقره بنغازي – مبكرا لعلم ملكية ما قبل القذافي باعتباره علما للثورة هو استحضار كل من تاريخ المقاومة في المحافظة الشرقية والارتباط بنظام السنوسي الذي كان قائده ملكا. ولقد كان معلوما تماما لقادة الثوار بالطبع أن نظام الملكية لا يحظى بإعجاب واسع النطاق في بقية البلد، لكن ميلهم إلى الاحتوائية كان فاترا. فقد كانوا يعتقدون – دونما افتقار إلى بعض المبررات – أن بنغازي عوملت بصفة خاصة معاملة سيئة من القذافي. ومثلما تقول بارجيتر:

“إن القسوة التي استعملها العقيد ضد الشرق رسخت درجة قصوى من الاستياء… [الذي] تفجر على نحو مذهل في فبراير من عام 2011 عندما ثأر الشرق لنفسه بعد طول انتظار”[34].

ومع ذلك، ثمة اعتراضات أخرى، وسرديات أخرى، وأبطال آخرون. وبارجيتر نفسها تلاحظ أنه:

“لم يهب الليبيون في الشرق الثائر وحده. فقد خرجت الزاوية في غرب البلد ضد النظام في التاسع عشر من فبراير…وهو اليوم التالي لاندلاع المصادمات في مصراتة حيث سيطر الليبيون على مركز المدينة…ووقعت انتفاضات في 18 و19 فبراير على بعد أمتار لا أكثر من مقر القذافي في باب العزيزية”[35].

لكن كان من النادر أن يوعز فضل أولى صراعات العاصمة والمدن الغربية في بواكير الانتفاضة. يعلق شين كين في كتاب كول ومكوين على “مشاعر الملكية الشرقية للثورة والتصور بأن المدن الغربية تأخرت في دعمها” بقوله محقا إن “الحفاظ على استقرار ليبيا سيكون أمرا عصيبا إذا لم تتبن المنطقة الشرقية ذات النشاط السياسي المفرط النظام الجديد”[36]. ولكن القول ـ مثله ـ بأن “مقاومة الاحتلال الإيطالي، وصياغة دستور الاستقلال سنة 1951، ثم ثورة 2011 القريبة قد انبعثت جميعا من بنغازي”[37] لا يفضي إلا إلى مفاقمة التنافس الإقليمي. والحق أن مقاومة الإيطاليين (والتعاون معهم أيضا) شمل جميع المحافظات، أما دستور 1951 فصممته القوى الغربية من خلال الأمم المتحدة الجديدة. وليس الفخر المفهوم الذي يشعر به الشرقيون تجاه دورهم في تاريخ ليبيا الحديث، وفي الثورة ذاتها، بحاجة إلى إعادة كتابة كاملة لذلك التاريخ.

والحق أن ملاحظة وولفرام لاتشر وأحمد لبنوج على جبل نفوسة في كتاب كول ومكوين لتصدق على البلد بأكمله:

“شأن الحال في القرن الماضي، تكتب الآن كل مدينة جبلية نسختها الخاصة من تاريخ الحرب. وبين روايات إسهام كل منطقة في الثورة اختلافات حادة من مدينة إلى أخرى، وكذلك هي الاختلافات بين تصورات كل مدينة لتورط الأخرى مع النظام في الحرب. ولقد أصبح التهوين من دور المناطق جزءا أساسيا من الصراعات على التاريخ والثورة. ولكي تتغلب مدن جبل نفوسة على مشكلة الانقسام الفصائلي، سيكون لزاما عليها أن تتفاوض من أجل تاريخ مشترك للحرب”[38].

ولزام على ليبيا كلها أن تتفاوض من أجل تاريخ مشترك. تشير هيلسم إلى “أنهم في مصراته كانوا ينشئون أسطورتهم، التي لم يظهر فيها من الليبيين غيرهم” وتورد أنه “لم ينهب من متحف طرابلس خلال الصراع شيء إلا مقتنيات رمضان السويحلي، وهو مثابة رد مصراته على عمر المختار الذي قاوم الإيطاليين”[39]. وتتكرر هذه الملاحظة القلقة لدى مكوين:

“تحدد ثورة السابع عشر من فبراير هوية مصراتيه حديثة في سياق محلي ودولي أيضا. مصراته الآن تشتهر بأنها المدينة المحاصرة التي نجت من هجوم القذافي والتي اصطادته وقتلته (ولعل سمعتها من جراء ذلك أكبر). كان ذلك بالنسبة لكثير من أهل مصراته هو ’مصيرهم الواضح’، وإرثهم من رؤية السويحلي لليبيا الحرة التي تكون مصراته نواة لها. وذلك هو إرث مقاومة الإيطاليين ومعاناتهم التي باتت فقرة ثقافية دائمة في مصراته وفي ليبيا بعامة”[40].

لكن القصة في الواقع أشد تعقيدا. فمقاومة غزو الإيطاليين واحتلالهم شاع ودان، ومؤكد أنه ليس “ملكا بالكامل” لأي منطقة. وكذلك أيضا النضال من أجل التعافي من قسوة وإهمال تجربتهم الإمبريالية والفوز أخيرا بالاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية الذي أنهى السيطرة الإيطالية، فذلك النضال لم يكن حكرا على محافظة أو فرد بعينه. وبرغم وضوح تلاعب القذافي بحكي تاريخ البلد، واختصاصه عمر المختار رمزا للمقاومة الليبية ليحرم البرقاوية من بطل محلي، لكنه لا ينبغي أن يبرر المزيد من التلاعب.

ولكن القصة معقدة أيضا لما يرتبط بالهويات المحلية من جوانب متزايدة الأسطورية. فشأن الأمريكيين في احتفائهم بما لهم من “أصول عرقية” في أماكن لم يروها هم أو آباؤهم ـ فإيطاليا وأيرلندا اللتان يمتلئ بذكرهما التراث العائلي ما عاد لهما وجود ـ يحتفي الليبيون أيضا بذكر ارتباطهم بأماكن لا يكادون يعرفونها. فعائلة هشام مطر تنتمي إلى أجدابيا لكنه ولد في نيويورك ونشأ في طرابلس، ولم يعش قط في المحافظة الشرقية. ويذكر مكوين أنه عند السؤال عن سبب عدم قيام مظاهرات في مصراته في أوائل أيام الانتفاضة قيل له إن “أغلب الناس في مصراته أثرياء، فلم يكترثوا ببقاء القذافي أو ذهابه، لكن حينما وقع [قتل المتظاهرين في بنغازي]، تغير كل شيء. فكلنا لنا أسر في بنغازي. وبقتل الناس هناك، وقع القذافي في خطأ، وألزمنا باختيار فريق نناصره”[41] والحق مثلما يبين كين أن المحافظة الشرقية، التي كانت ذات يوم موطن أكثر السياسات قبلية، لم تعد شديدة التجانس.

“الإسلاميون في الشرق… بدوا أكثر رسوخا في مناطق الشرق التي… لم يكن للقبائل حضور فيها، وبخاصة بعض أحياء بنغازي، ومدينة درنة على وجه التحديد. هاجرت أعداد كبيرة من أولئك السكان من مصراته ومدن أخرى في غرب ليبيا خلال أواسط عشرينيات القرن العشرين فلم تكن هناك أواصر نسب كبيرة بينهم وبين… القبائل. وربما لذلك أصبح الدين –وبخاصة الإسلام السياسي تحديدا- شكلا بديلا للتضامن الاجتماعي والهوية السياسية لتلك الأسر المهاجرة… خلال الثورة نفسها، لم تقوض هذه الصدوع تماما المجلس الوطني الانتقالي والمجتمع المدني الداعم له بسبب الاشتراك في معارضة القذافي”[42].

يذهب كول ومكوين إلى أن “سرديات [المجتمع] أقوى وأكثر تميزا وانضباطا من سردية ’ليبي’ بعينه. غير أن هذه الخيوط السردية عند قراءتها مجتمعة تنجدل في خيط واحد يتميز على تنافره بأنه ’ليبي’”[43]. وقد يصدق ذلك لكن من الصعب أن نتخيل كيف يمكن نسج لوحة من هذه الخيوط إن لم يكن معترفا بها في نهاية المطاف من الليبيين أنفسهم بوصفها تاريخا مشتركا جمعيا. ثمة كثير من أسباب الاحتفاء في كون المرء ليبيا-فهم شعب رائع في قدرته على مواجهة الشدائد ثابت في أحلامه للأجيال المستقبلية. ويتذكر مطر “سنوات القوة، عندما كان لدى والديَّ يقين الأزواج الذين -برغم مخاوف الآباء المعهودة- يرون المستقبل بلدا صديقا”[44].

لاسترداد ذلك اليقين، سوف يتعين على الليبيين أن يستحضروا تراث بطولة سمتها الإيثار والكرم. ومن أجل ذلك قد نترك الكلمة الأخيرة لوالد هشام مطر. فحينما ترجوه زوجته وأبناؤه أن يتخلى عن عمله في المعارضة، يحذرهم جاب الله مطر بقوله: “لا تضعوا أنفسكم في منافسة مع ليبيا. فستكونون الخاسرين أبدا”[45]. وليس بوسعنا إلا أن نرجو أن يكون لليبيا، إن شاء الله، من لا يزالون مستعدين للتضحية من أجل ازدهارها.

للقراءة

الأكثر أكاديمية بين هذه الكتب ومن أحدثها أيضا للإنصاف (يشير المشاركون إلى كتابي تشورين وهيلسم) الكتاب الذي حرره بيتر كول وبرايان مكوين، وهو “الثورة الليبية وما أعقبها”. بالنسبة لكثير من القراء الذين لا يألفون ليبيا، سيكون وصف معارك الشوارع في مصراته أو التحالفات القبلية والمدنية في جبل نفوسة صعبا، فالوصف كثيف وتفصيلي. غير أن الكتاب يضم مجموعة رائعة من المقالات، دقيقة المعلومات، والذكية، والعميقة.

للقراء الأكثر اهتماما بعرض شعبي، يمثل “العاصفة الرملية” لهيلسم سردا رشيقا شاملا من صحفية بريطانية مرموقة قضت وقتا في التنقل داخل ليبيا خلال الثورة. وهو يتضمن سردا تفصيليا وشهادة عيان على المعارك بين الثوار والموالين للقذافي. وليس فيها من “التعليقات على المصادر” إلا أقل القليل ـ وذلك افتراضا لأن أغلب التقارير تقاريرها هي شخصيا ـ لكن التاريخ موجز إلى حد ما، وكان يمكن أن توفر قدرا أكبر من الخلفية للقارئ الفضولي. كتاب ليبيا لبارجيتر فيه مثل هذه الهوامش لكن لغته بسيطة عفوية بقدر يشتت الانتباه، فيوصف القذافي مرارا وتكرارا بـ”البدوي دائم التفاخر” وكأن في ذلك تفسيرا لأمراضه، ويلقى اللاعبون الآخرون نصيبهم المماثل من الاستخفاف بهذه اللغة المتعجرفة فيوصف المجلس الانتقالي الوطني بـ”العصبة ذات المصداقية”[46].

يفوق اهتمام فورت وتشيفيس وتشورين بالسياسة الخارجية الأمريكية اهتمامهم بالسياسة الليبية. واهتمام فورت بأفريقيا يفوق اهتمامه بليبيا، وتركيزه على الإمبريالية يفوق تركيزه على الثورة. ويبدو أن تشيفيس لم يزر ليبيا قط، ويبدو اهتمامه بها ضئيلا فهو معني كلية بمناورات المسؤولين في واشنطن، التي يقدم عنها في ما يبدو قصة ذات مصداقية. وواضح أن تشورين متفان تماما في أصدقائه الذين اكتسب صداقتهم خلال خدمته في ليبيا وهو صاحب التناول الأكثر تفصيلا للرؤى الأمريكية لليبيا بدءا من استئناف العلاقات في عام 2003.

سيرة مطر المذهلة مكتوبة بحساسيته كروائي، في كتاب جميل مؤثر، يلم في قصة أسرة واحد تاريخ أمة بأكملها. ويجب على تشيفيس وزملائه في البنتاجون، وعلى كل من يحتل موقعا يمكنه من إحداث فارق في ليبيا أن يقرأ هذا الكتاب قبل أن يفعل أي شيء إضافي.

للكتابة

هل من الإنصاف طلب المزيد، بعد هذا كله؟ ربما لا لكنني أود أن أرى مزيدا من التناول لمجموعتين من وجهات النظر.

الأولى، والأجانب في وضع أفضل لتقديمها، تتعلق بالحصوات التي لا يتوقف إلقاؤها في هذه البحيرة، فتنجم عنها مويجات تجعل من الصعب رؤية الصور المنعكسة على السطح أو الأعماق من تحتها. مَن الرعاة الدوليون للفصائل والميلشيات المتحاربة، وما حصصهم في حروب الوكالة هذه، ولماذا تمثل ليبيا ساحة جذب لخوض معارك بعيدة؟ فليبيا منذ أكثر من قرن الآن مجال لصراع الإيطاليين والأتراك والمصريين والبريطانيين والفرنسيين والأمريكيين والروس، وها هم الإماراتيون والقطريون ـ فمن أجل ماذا؟ هل مبرر هذا التدخل يكمن في القيمة الجيوستراتيجية للأرض أو لما في البلد من نفط؟

وعلى ذكر التدخل الخارجي، ماذا عن تقنيات الحرب؟ ما قدر القتال الذي تغذيه إمدادات أسلحة تبدو بلا نهاية، وتقنيات رقمية، ومنصات إعلامية تؤجج الكراهية وتعمق الشك؟ لو كان الليبيون قد اضطروا إلى مواجهة بعضهم بعضا دونما هذه التحريضات الكريهة، هل كان يمكن أن يروا أنفسهم جميعا في هذه البحيرة؟

وما الذي يحتمل أن يروه؟ قد يكون كثيرا أن نطلب شيئا ممن عانوا بالفعل الحرمان من كثير من أسباب الحياة الكريمة، لكنني أرجو أن يكتب الليبيون عن أنفسهم. من الذي قد يكون نيلسون مانديلا أو مارتن لوثر كينج من الليبيين فيخبرنا كيف بدا العالم المقلوب رأسا على عقب من منظور حرية سجين في معتقل من معتقلات القذافي؟ من بوسعه أن يكتب عن حياة المراهقين في جبل نفوسة، وأسواق مصراته، وسبها، وأجدابيا، والبيضاء. من سيكتب القصص الغرامية والتواريخ العائلية، وحكايات الحياة اليومية، والنمائم، والطقس، ومغامرات الطفولة، وذكريات الكبار؟ فور أن يتمكن الليبيون من تسجيل الحياة العادية، قد يتمكنون من استرداد هذه الحياة، وسوف يمكننا أن نرى إلى ما وراء صورنا المعكوسة وإلى ما دون سطح هذه البركة ذات المياه الهائجة المضطربة.

…….

هوامش:

[1] . صدر كتاب (The Burning Shores: Inside the Battle for the New Libya) لفريدريك ويري (لندن، فارر شتراوس آند جيرو، 2018) بعد سبع سنوات من هلاك نظام القذافي ومن ثم فهو يقع خارج نطاق هذه المقالة. غير أن الإشارة تجدر إلى أن هذا الكتاب ـ وإن افتقر إلى قيمة كبيرة من المنظور التاريخي ـ هو أفضل كتاب متاح عن السياسة الليبية اليوم، فهو لا ينم عن دراية واسعة فقط وإنما عن تعاطف غير معهود مع الليبيين الكثيرين الذين يناضلون لضمان السلام والرخاء في الوطن.

[2]. Hisham Matar, The Return: Fathers, Sons and the Land in Between, 131–32.

[3] Chorin, Exit The Colonel: The Hidden History of the Libyan Revolution, 3.

[4] Chivvis, Toppling Qaddafi xv.

[5] Chivvis, Toppling Qaddafi 14.

[6] Chivvis, Toppling Qaddafi 144–45.

[7] Chivvis, Toppling Qaddafi 179.

[8] Chivvis, Toppling Qaddafi 117.

[9] Cited in Forte, Slouching Towards Sirte: NATO’s War on Libya and Africa, 174.

[10] Forte, Slouching Towards Sirte, 9.

[11] Quoted in Eileen Ryan, Religion as Resistance: Negotiating Authority in Italian Libya, 1911-1931 (Oxford: Oxford University Press, 2018).

[12] Forte, Slouching Towards Sirte, 137.

[13] Forte, Slouching Towards Sirte, 154

[14] Forte, Slouching Towards Sirte, 10.

[15] Chorin, Exit the Colonel: !e Hidden History of the Libyan Revolution, 197.

[16] Chorin, Exit the Colonel, 306.

[17] Chorin, Exit the Colonel, 268.

[18] Chorin, Exit the Colonel, 270.

[19]  من أمثلة الانتقال الأول ما كان في جنوب أوربا وأمريكيا اللاتينية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ومن أمثلة الانتقال الثاني الثورات التاريخية في فرنسا وروسيا والصين وأحدثها في إيران، إذ انقلب فيها الأيديولوجيون الراديكاليون في نهاية المطاف على حلفائهم في هذه الثورات من المعتدلين أو الليبراليين أو الوطنيين.

* المقصود بعهد الإرهاب اليعقوبي Jacobin Reign of Terror هو فترة في الثورة الفرنسية امتدت من 5 سبتمبر 1793 إلى 27 يوليو 1794، انتشرت فيها الحرب الأهلية واستشرت في جميع أرجاء فرنسا الجيوش المتعادية وقررت خلالها الحكومة الثورية اتخاذ إجراءات صارمة ضد المشكوك في معاداتهم للثورة (من نبلاء وأثرياء وقساوسة)، وشهدت باريس موجة إعدامات، وكان لتلك الاضطرابات جانبها الديني الذي تمثل في برنامج استئصال المسيحية الذي تبناه أتباع جاك [يعقوب] هيبرت (الجزء المسبوق بـ* هامش من المترجم مأخوذ من بريتانيكا)

[20] Hilsum, Sandstorm, 168–69.

[21] Matar, !e Return: Fathers, Sons and the Land in Between, 203.

[22] Pargeter, Libya: !e Rise and Fall of Qaddafi 208.

[23] Chorin, Exit the Colonel, 268.

[24] Bartu, “The Corridor of Uncertainty: The National Transitional Council’s Battle for Legitimacy and Recognition,” in the Libyan Revolution and its Aftermath, 37.

[25] Hilsum, Sandstorm, 248. Also see Pargeter, Libya, 241.

[26] Vandewalle, “Libya’s Uncertain Revolution,” in !e Libyan Revolution and its Aftermath, 22.

[27] Fitzgerald, “Finding Their Place: Libya’s Islamists During and After the Revolution,” in the Libyan Revolution and its Aftermath, 179.

[28] Matar, The Return, 102.

[29] Fitzgerald, “Finding Their Place,” 180.

[30] Hilsum, Sandstorm, 265.

[31] Wierda, “Confronting Qadhaffi’s Legacy: Transitional Justice in Libya,” in The Libyan Revolution and its Aftermath, 158.

[32] Wierda, “Confronting Qadha2’s Legacy: Transitional Justice in Libya,” in The Libyan Revolution and its Aftermath, 158.

[33] Hilsum, Sandstorm, 19.

ثم تعطينا هيلسم سردا حافلا بالأخطاء لتاريخ السنوسية، ومحبطا بصفة خاصة، في ضوء غني ودقة بقية الكتاب بالتفاصيل، فإدريس لم يهرب إلى مصر “خلال الحرب العالمية الثانية”

[34] Pargeter, Libya, 171.

[35] Pargeter, Libya, 223.

[36] Kane, “Barqa Reborn? Eastern Regionalism and Libya’s Political Transition,”in The Libyan Revolution and its Aftermath, 214, 225.

[37] Kane, “Barqa Reborn?” 226.

[38] Lacher and Labnouj, “Factionalism Resurgent: )e War in the Jabal Nafusa,” in The Libyan Revolution and its Aftermath, 284.

[39] Hilsum, Sandstorm, 279.

[40] McQuinn, “History’s Warriors: The Emergence of Revolutionary Battalions in Misrata,” in The Libyan Revolution and its Aftermath, 254.

[41] McQuinn, “History’s Warriors,” 234.

[42] Kane, “Barqa Reborn?” 212.

[43] Cole and McQuinn, “Introduction,” in !e Libyan Revolution and its Aftermath, 1.

[44] Matar, The Return, 57.

[45] Matar, !e Return, 38.

[46] Pargeter, Libya, 239.