استعراض رواية “زرايب العبيد” للكاتبة نجوى بن شتوان نشر دار الساقي ببيروت، 2016

منذ صدورها عام 2016 ورواية زرايب العبيد لنجوى بن شتوان تحظى بثناء الأوساط الأدبية في العالم العربي. فقد كانت ضمن القائمة القصيرة للجائزة الدولية للرواية لعام 2017[1]، وتم الترحيب بها بصفتها أحدث أعمال الأديبة الليبية التي يجب ترجمتها كون الرواية كتبت أصلاً باللغة العربية ولم يتوفر منها إلا اقتباس واحد مترجم للإنجليزية[2]. نُشِرَ للكاتبة روايتان قبل زرايب العبيد وهما المحتوى البرتقالي (2008) ووبر الأحصنة (2007) التي تحصلت على جائزة مهرجان البقراوية السودانية. وفي عام 2019 ذكر مشروع بيروت39 بن شتوان ضمن قائمة أفضل 39 كاتب عربي تحت سن الأربعين لكتابتها قصة قصيرة بعنوان “سيرة البركة والبيانو، نشرت في الأنطولوجيا “بيروت 39”. أما قصتها القصيرة “تذكرة العودة” فقد ظهرت في “أنطولوجيا الحظر: قصص من الأمم غير المرغوب فيها”(2018) وهي أنطولوجيا للكتابة الإبداعية من الدول الإسلامية  السبع التي شملها ما يسمى بحظر المسلمين.[3]

أحيت رواية زرايب العبيد ذكرى العبودية الدارسة في ليبيا العهد العثماني في القرن العشرين. تلج الرواية عبر الصور الارتجاعية المتواصلة للراويين ’عتيقة وعلي‘، تلج إلى قصص حياة أولئك الذين جرى تهجيرهم من أجزاء أفريقيا الواقعة جنوباً لينتهي بهم الأمر في خدمة أولئك الواقعين على سواحل القارة الشمالية. فالرواية تسبر أغوار التواريخ الدقيقة لدواخل الإماء السود في تلك الفترة. بتمسكها بالذكرى الهالكة للرقيق العابر للصحراء، تسترجع بن شتوان شذرات قصص استرقاقهم وحياتهم بعده، ملقية الضوء على الحقائق الاجتماعية والاقتصادية التي توجه الحراك المحدود لأوضاعهم الاجتماعية التي تتأرجح بين الرِّق والتسَّري والبغاء.

تتبع القصة حياة الأمَة السوداء تعويضة ومحمد بن شتوان، رجلٌ ليبي يملكها ويتسَّرى بها بالإضافة إلى زوجته. بينما محمدٌ في رحلة تجارة، تقوم عائلته بتزويج تعويضة لعبدٍ وتقتل ابنها، وتخفيها في مواخير المدينة. تتمكن تعويضة بعد ذلك من الهروب من الماخور لتبدأ حياة جديدة في ضواحي بنغازي في حي الصابري، لتلد هناك مولوداً آخر لمحمد، بنتاً اسمها عتيقة، تربيها بنفسها مع ابنٍ آخر بالتبني، مفتاح.

خلال سرد قصة حياة تعويضة، يتكشف لنا التطبيع المتنافر لتحويل العبيد إلى سلع يمكن نبذها بسهولة واستخدامها في التعاملات التجارية. ويتم جردهم في قوائم شحنات “الملح” و”الدقيق” بينما تتأرجح حياتهم بين الضرورة والعشوائية. تبين يوميات حياة تعويضة تحت نير الرِّق انحصار الجسد المسترق في حالة استثنائية تحت وطأة النظام السياسي العضوي لذلك الزمن. فبالرغم من حفظها كمحظية منزلية للذة، إلا أنه فوراً يتم التضحية بها عبر محاولات عائلة محمد العديدة لإرسالها لسوق النخاسة، تزويجها لعبد، وفي النهاية إخفائها بعيداً عن متناول يد ابنهم. غير أن قبول تعويضة لدورها في اقتصاد الرِّق الشهواني لا يحميها من الحياة على الكفاف، حيث في سبيل الحفاظ على العلاقة المعتادة بين محمد وزوجته “الشريفة” يتم تحويل تعويضة مرة أخرى إلى سلعة قابلة للطرح في منصة مزاد سوق النخاسة. لا تبين لنا عمليات الإجهاض العديدة الإجبارية التي تعرض لها جسد تعويضة بدون علمها عجزها فحسب، بل تحويل كلاً من نسل السود ونسل السيد والأمَة إلى أموال منقولة[4].

لا يحتاج المرء لأن يستعرض مشاهد الاستعباد ليتصور فظاعة مؤسسة الرِّق، إلا أن الرواية تنكأ جراح حياة الرّقيق البائسة، خاصة النساء منهم. فبينما تتحمل تعويضة مزاد النخاسة، وهي واقفة مكشوفة الثديين، تعطينا الرواية لمحات عن شناعة وضعها. فعلى عكس الفرضية السائدة التي تصور الرِّق في العصر الإسلامي لطيفاً ومضاداً لنموذج الرِّق وعبودية المزارع الأمريكية، تثبت الرواية مدى الإساءة التي كانت تتعرض لها حياة الرَّقيق وأجسادهم في المجال المنزلي العارض. فلقد ضل القضاء الإسلامي والأعراف الاجتماعية اللذان يحافظان على العبودية صامتين تجاه الظلم الواقع على المرأة المستعبدة.

وعلى قدم المساواة، تقوم القصة بتعقيد فهمنا لعملية الانعتاق الممنوحة للإماء اللائي يلدن أبناء ساداتهن. فالطفلة التي تحملها تعويضة من محمد لا تُخلِّصها من الرِّق ولا تصبح تذكرتها الرابحة نحو الحرية. على عكس الإماء اللائي اندمجن في نظام التسَّري، تفشل تعويضة في التمتع بوضعية “أم الولد” (وهي الأمَة التي تنجب لسيدها ولداً وبذلك تعتق عند وفاته). فقد تبين أن فرضية أن الأمة تعتق بشكل آلي عند إنجابها نسلاً مختلطاً هي عبارة عن عملية معقدة لا يمكن تطبيقها بسهولة على الجميع. فحب سيدها لها لم يرفع من قدر تعويضة أعلى من مستوى المحظية بل زاد من تجريمها أكثر باعتبارها أمة سوداء ساحرة. فكلما زاد ارتباط محمد العاطفي بها، زادت استهانة عائلته بمشاعره واعتبارها من آثار السحر الأسود الذي تتهم محظيته بإجادته.

في لقائها مع قناة بي بي سي عربي[5]، شددت بن شتوان على دور التاريخ الشفوي والذاكرة الجمعية في مساعدتها على إعادة تخيل قصص رقيق ذاك الزمن الذين طال صمتهم. فعلى الرغم من انحيازها، يترك الاعتماد على مثل هذه الذاكرة الجمعية الانتقائية آثاراً لا تزول على العمل الروائي. الظاهر للعيان من خلال فصول الرواية أن المؤلفة لم تعتمد على ذخيرة تاريخية مدونة راسخة. فعبر الرواية كلها، نادراً ما تشير المؤلفة للفترة الزمنية أو تلمح للأحداث السياسية التي قد تدل القارئ على الفترة التاريخية التي تجري فيها. تجاوباً مع نضوب الكتابات التاريخية عن الرِّق، لا تنجح الرواية إلا في التقاط شعور مبهم بالتاريخ بحسه وذاكرته الجمعية. فعلى الرغم من أنها مؤرخة متخصصة[6]، إلا أن بن شتوان فضلت أن تحاكي السرد المحفوظ في الذاكرة الجمعية ويعاد من جيلٍ إلى جيل، متقدمة ومتأخرة في ذاكرتها المستحدثة دون أن تلتزم بخط روائي متسلسل[7]. اللحظة الوحيدة التي نُمنَح فيها إحساساً بزمن الأحداث هي عندما تذكر بن شتوان الإرسالية الإيطالية والحركة السنوسية، مشيرة بذلك إلى مركزية الطريقة السنوسية للرق في ليبيا.

تثير الرواية تساؤلات ملحة حول الوضع القانوني للشخصيات والمجال الاجتماعي التي تشغله. فقد يتساءل المرء، هل كانوا عبيداً آبقين أم عُتقاء؟ وفي حال كونهم أحراراً، كيف أُخرِجوا من مؤسسة الرِّق، خاصةً وأن وقائع الرواية تحدث قبل إلغاء العبودية في ليبيا. حتى بوضعها القصة في زرايب العبيد الهامشية في بنغازي، لم تعطِنا المؤلفة أيّ لمحةٍ عن سياق تأسيس هذه العشوائيات الهامشية. من الجدير بالذكر أن زرايب العبيد التي يحملها الكتاب عنواناً له ليست من وحي الخيال فهي كانت موجودة فعلاً في بنغازي العهد العثماني بحسب المؤلفة المولودة في بنغازي. فهي تحدثنا في المقابلة المذكورة أعلاه عن رؤيتها هذه الزرايب، في صورة يعتقد بأنها تعود لرحالة إيطالي مجهول قبل الاحتلال الإيطالي لليبيا، على مكتب أحد أصدقائها. عندها استحوذ الأشخاص الأربع موضوع الصورة على خيال المؤلفة وأوحوا لها بتقصي “زرايب العبيد” وانتهى بها الأمر بكتابة الرواية.

يضل الاستخدام غير المنضبط للمصطلحات خللاً لا يمكن إنكاره كان على المؤلفة تصحيحه. فبن شتوان تستخدم المصطلح “أفريقيا” لتشير لبلاد شخصيات الرّقيق الأصلية في الرواية. بإشارتها هذه لجانب جنوب الصحراء بالمصطلح المثقل تاريخياً والغير ممِّيز “أفريقيا” يبين مدى مشاركة المؤلفة نفسها في ترسيخ بتر ليبيا وشمال أفريقيا برمتها عن باقي القارة. كما أن استخدامها للشتائم والألفاظ المهينة في الإشارة للشخصيات السوداء أمرٌ مقلقٌ كذلك. فالنعوت التي تستخدمها عتيقة، ابنة تعويضة، لوصف درجات وتنويعات لون بشرة بعض الشخصيات السوداء تبدو كما لو أن الراوية نفسها ليست سوداء. وبهذا تبدو الرواية كما لو كانت تتذبذبُ بين صوت عتيقة وبين صوت بن شتوان [الراوية] العليمة، التي تتسرب آراؤها وفضولها وعدم معرفتها بهذه الهويات إلى صوت عتيقة. فمفردات مثل “زنجي” و”شوشان” و”عبد” و”خادم” تبدو متطابقة مع اللون الأسود، وهو بدوره مرادفٌ لحالة الرِّق. كما إن الكاتبة عند تسميتها شخصيات الرواية لا تبذل أي مجهود لتوضيح معاني اسمائهم. فاسم “عتيقة” مثلاً معناه الـمُحرَّرة، غير أن المؤلفة لا تكشف لنا شيئاً عن سبب إطلاق أمها تعويضة هذا الاسم عليها. لماذا قررت تعويضة أن تثقل كاهل ابنتها باسم ذي إيحاءات معضلة؟ كما يضل اختيار المؤلفة للقب العائلي لشخصية محمد في الرواية، بن شتوان، مثيراً للتساؤل كذلك لأنه نفس لقب عائلة الروائية. لماذا تثقل نجوي بن شتوان كاهلها بمسؤولية كهذه أمام شخصياتها؟ وعند سؤالها عن اختيارها هذا، أجابت بأنها لم ترغب “في أي صدام مع حساسيات أناس حقيقيين” عند استخدامها أي لقب عائلة ليبية أخرى[8]. لكن من المحير أنه في عمل يحتل فيه العرق واللون موقعاً مركزياً لم تبذل الروائية أي مجهود لتوضيح المعاني والتواريخ والأسباب وراء اختيارها هذه الاسماء والمفردات. بينما يقاطع صوت الراوي العليم تيار وعي كلاً من عتيقة وعلي عبر الرواية كلها، يضل قرار بن شتوان في إعارة اسمها للعائلة المالكة للرقيق يثير مزيداً من الأسئلة عن الجنس الأدبي للرواية وعن مدى احتوائها على نواة نص سيرة ذاتية.

وبالرغم من أوجه القصور هذه التي تم التغاضي عنها عمداً، تضل شجاعة الروائية في التعرض لموضوع الرِّق المحرم أمراً يستوجب الثناء. مع أنها من وحي الخيال، إلا أن الرواية الأولى من نوعها في محاولتها جمع، وتصور، وتجسيد شخصية الأنثى المستعبدة. فبشكل عام لم يتم تناول سؤال الجنس فيما يخص الرِّق في روايات شمال أفريقيا إلا فيما ندر. الحالات الاستثنائية الملحوظة هي “أحلام التعدي” لفاطمة مرنيسي (1994)، و”محا المعتوه، ومحا الحكيم” للطاهر بن جلون (1978)، و”دفننا الماضي” لعبد الحكيم غلاَّب (1969) الذي تم فيها التلميح بالموضوع على استحياء. وبهذا يمكننا القول بأن “زرايب العبيد” هي ثاني رواية شمال أفريقية تاريخية تتمركز حول الرّقيق الأسود، بعد رواية الكاتب التونسي البشير خريِّف “برق الليل” (1961).

إن نقص السرديات الروائية عن الرّقيق من مرحلة رق جنوب الصحراء يجعل من مهمة إعادة تجسيد المخرسين أمراً في غاية الصعوبة. فلا يستطيع المرء أن يلتقط الإحساس بالتاريخ إلا عن طريق استرجاع هذه الذكريات الباهتة من خلال الروايات الخيالية ويصل إلى ما قد يحاكي شهادات الأرشيف الضائع. وفي استعادتها لهذا التاريخ الدفين، قامت الكاتبة الليبية بشكل رائع بتجسيد المرأة السوداء المستعبدة التي يصفها المؤرخ شوقي الهامل “ببطلة رق شمال أفريقيا التراجيدية[9].”

……

هوامش:

[1].          https://www.arabic5ction.org/en/2017-shortlist-announced

[2].  سعاد حسين ومارسيا لينكس كوالي، ” قطعة مقتطفة من رواية نجوى بن شتوان الواردة ضمن جائزة القائمة القصيرة للرواية العربية زرايب العبيد، المصدر:

https://arablit.org/2017/07/10/an-excerpt-from-najwa-bin-shatwans-international-prize-for-arabic-5ction-shortlisted-slave-pens/.

ترجمت الرواية كلها الآن إلى اللغة الإنجليزية ونشرت بعنوان ساحات العبيد (منشورات جامعة سيراكوزا،2020 ). مع ملاحظة أن هذا العرض الحالي يسري على النص الأصلي باللغة العربية.

[3]. القرار الرئاسي الذي أصدره الرئيس الأمريكي ترمب بحظر سفر مواطني الدول الإسلامية السبع إلى الولايات المتحدة. (المترجم)

[4].  بمفهوم أغامبين، أنظر جورجيو أغامبين، مهدور الدم . سلطة السيادة والحياة المجردة. (منشورات جامعة ستانفورد، 1998)

[5].  “عالم الكتب: “زرايب العبيد” وتراث الرِّق” (بي بي سي عربي، 8 يوليو/ تموز 2017) على موقع

http://www.bbc.com/arabic/tv-and-radio-40543199

[6].  تحصلت بن شتوان على درجة الدكتوراه في تاريخ ليبيا العثماني من جامعة سابيينزا في روما في عام 2017.

[7].  أنظر حديثها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في عام 2017،  https://www.youtube.com/watch?v=HvvoAjghapY

[8].  “عبيد أحرار مفتخرون بجذورهم في ليبيا العهد العثماني” حوار مع كاتبة رواية “زرايب العبيد” الليبية (قنطرة، 5 مايو 2017)  في

https:// en.qantara.de/content/libyan-author-najwa-binshatwan-on-the-slave-pensconfronting-a-dark-chapter

[9].  شوقي الهامل، “المغرب السوداء: تاريخ الرِّق والعرق والإسلام” (منشورات جامعة كامبردج، 2013)، 11.

اقتفاء أثر مشهدٍ متلاشٍ: عن ذاكرة ليبيا الثقافية

ما معنى الحديث عن ذاكرة ليبيا الثقافية؟ أي متاحف علينا زيارتها، أي أرشيف علينا البحث فيه، أي تاريخ شفوي وتُحَف علينا جمعها، لنبدأ نحكي قصة ليبيا؟ قدم لنا معرض “اقتفاء أثر مشهدٍ متلاشٍ،” المنعقد في غاليري P21 في لندن، لمدة ستة أسابيع بين مارس ومايو 2018، قدم لنا فرصة نادرة للبحث عن إجابة لكل هذه الأسئلة. أزمع المعرض، الذي أشرفت على تنظيمه نجلاء العجيلي، على عرض “تجارب الناس المباشرة عن الذاكرة وانبهارهم بها، والتاريخ الشخصي والسرديات الجمعية التي تنشأ فيما يخص ليبيا الحاضر.” يُعقَد على جانب المؤتمر ندوات ومحاضرات يلقيها فنانون وكُتَّاب وأكاديميون، منهم الروائية نجوى بن شتوان، الشاعرين خالد المطاوع وفرح فراي، المخرجة جيهان الكيخيا، والأكاديميين آدم بن كاطو وبربارة سبادرو، وآدم ستيب-ريكاوسكي وغاي مارتن اللذان يناقشان صورهما عن طرابلس وبنغازي على التوالي.

عرَّف موريس هالبڤاكس، قبل قرنٍ ونيف، الذاكرة بأنها ظاهرة اجتماعية. وفي السنوات الأخيرة، وصِف الاهتمام بالذاكرة الثقافية والإرث بأنهما صناعة الذاكرة، عادةً في معرض انتقادها كونها صارت تشخيصاً مفرطاً للتاريخ، مرتبطةٌ بتمركز الصدمة النفسية والإيذاء. جادل كروين لي كلاين أن “أحد أسباب ارتفاع الذاكرة المفاجئ” هو أنها “تعدنا بأن تسمح لنا بأن يكون لدينا جوهريتنا وأنه يمكننا إعادة بنائها أيضاً.” إن الحديث عن الذاكرة الثقافية هو الحديث عن التاريخ الذي يخصنا، بحسب كلمات جين آسمان، عن الذاكرة كونها معرفة مزودة “بدليل هوية.” الجوهرية متداخلة مع الأسئلة التي نطرحها والقصص التي نحكيها لأنفسنا عن أصلنا وهويتنا. من نشمل، ومن نقصي عندما نرسم الحدود حول هوياتنا الإثنية والوطنية والثقافية والدينية.

في عهد القذافي، كانت اللافتات في طول البلاد وعرضها تحمل ملصقات لخريطة دولة مسننة الحواشي غامقة اللون تشع نوراً رحيماً على قارة أفريقيا. بدت هذه الصورة ملائمة بشكل عجيب، فهي تمثل ليبيا كما لو أنها قطعة أحجية ناقصة، لافتةً الانتباه إلى غيابها عن السرديات الخارجة عنها. ففي سرديات النظام، كانت ليبيا منارة الفكر التنويري التي تشع نوراً عبر جنوب الكرة الأرضية، لكنها في الواقع تبدو أنها تشكل فراغاً، لغزاً، شَرطةً تربط بين الدول التي تشكل منطقتي المغرب والمشرق العربيين. في سنوات النظام الأخيرة، لم تكن ليبيا تذكر في الأخبار الناطقة بالعربية إلا نادراً، بينما ذكرها في الإعلام الغربي كان أشد ندرة وغالباً مرتبط بفاجعة لوكربي، بطرق المهاجرين، أو، بعد غزو العراق، بتسليم الأسلحة خلال المصالحة، وصورة توني بلير يصافح القذافي بجدية تحت الخيمة المزخرفة.

دخلنا، منذ ثورة 2011 وسنوات الصراع اللاحقة، في عصر يواجهنا فيه يومياً سيل من الصور والسرديات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسرديات جديدة تثبت وترسخ ما حدث قبل أيام قليلة في ما يبدو لنا وكأنه عملية دائمة التصعيد. في زمن الصراع الأهلي هذا قد يبدو مفهوم الذاكرة الثقافية رفاهية وتلهفاً للحنين للماضي. غير أن أستريد إيرل تقترح أنه بالذات في أوقات الأزمات “لا نستطيع أن ندفع ثمن رفاهية عدم دراسة الماضي،” لأننا نحتاج أن نفحص “النماذج التي تشكلت عبر عملية تاريخية طويلة […] لفهم الطرق المختلفة التي تعامل بها الناس مع الوقت، وهذا لا يشير إلى قيامهم ’بالعمل عبر الماضي‘ فحسب بل يشمل أيضاً فهمهم للحاضر ورؤيتهم للمستقبل.”  وكما يقول إدوارد سعيد، “تتطرق الذاكرة وتمثيلاتها بشكل محدد إلى أسئلة عن الهوية والقومية والسلطة والحكم.”  تحثنا حالة التشظي والانقسام التي يعاني منهما المجتمع الليبي اليوم على التشبث بالعمليات التاريخية التي أوصلتنا إلى وضعنا الراهن، لأهدافٍ ليس أقلها محاولة تصور رؤى بديلة لهوية وطنية يمكن تكوينها في المستقبل.

جمع معرض “اقتفاء أثر مشهدٍ متلاشٍ” أعمال ما يربو عن عشرين فناناً، مرتبطة بطرق متعددة بالحفاظ على التفكير في الذاكرة الثقافية والوطنية، من السرديات الشفوية ومشاريع مستمدة من ألبومات صور عائلية وتستجيب لها، إلى لوحات وقطع فنية معاصرة تعكس سياق ما بعد 2011. كان اختيار عنوان المعرض موفقاً: فمفهوم الأثر يدل على شيءٍ حضوره يمثل غياباً، بينما اقتفاء ما يتلاشى ويضمحل من الذاكرة يدل على مجهودٍ يبذل في التخمين، في التتبع، وهو فعلٌ دوريٌ، متكررٌ وغير محسومٍ أبداً. دلت مساحة المعرض الصغيرة نسبياً على أن الأعمال الفنية المختلفة المتزاحمة، خليط من المواد السمعية والبصرية واللمسية، زرابيٌّ تتدلى على لوحات، صورٌ أرشيفية بجانب معروضات مجسمة، هي معروضاتٌ متجاورة متحاورة.

لعلَّ أشد الأحاسيس آنية بتلاشي الإرث تمثل في أنماط نسج المفروشات والفنون الشعبية اليدوية، تقف في فضاء المعرض شاهدةً على اضمحلال الفنون والتقاليد المحلية. في حالات أخرى تم سبر أغوار الاختفاء بالمعنى الحرفي للكلمة، وشمل هذا أعمالا عن المفقودين، أولئك الذين اختفوا أثناء الثورة، في عملٍ للمصور غاي مارتن عنوانه “المفقودون: إعادة تصوير”؛ يشير العنوان إلى أن هذه صورٌ لملصقات تحمل أسماء المفقودين ووجوههم. إن رؤية هذا العمل، في وسط هذه المنتجات الثقافية والفنية، تجعلنا نصل إلى الإدراك المربك أن ليبيا صارت مكاناً يأتي إليه الصحفيون من بعيد ليصوروا العنف. مهما اعتاد المرء على هذه الحقيقة فهي لن تصير أبداً أمراً معتاداً. كما ركز العمل على الطبيعة المتجزأة لخطاب الأخبار: فالصور التي على الملصقات كانت أخباراً في وضع الإيقاف المؤقت، لحظات من الزمن. أين نجد باقي الخبر؟ من احتفظ بالسجلات؟

اختفاء آخر ظَهَرَ في عمل مارسيلا ماميلي-بادي وعلاء بودبوس وتقوى برنوسا الذي ركز على تمثال [ميدان] الغزالة في طرابلس. هذا التمثال الذي يصور امرأة وغزالة، وهو من معالم المدينة وتذكارٌ لماضيها الاستعماري، “اختفى” في عام 2014. هذا العمل عبارة عن صورة ثلاثية الألواح تعيد تصوّر هذا الاختفاء، وعلى الصور كلمات تتفكر في هذا الفقد. هل نقرأ هذا الاختفاء كعلامةٍ للقوى المتشددة التي تقرر تشكيل التجربة الثقافية بانتقائية؟ أم هل نحزن لاختفاء التمثال، وإذا حزنَّا عليه، كيف نوفق بين حس الفقد ذاك المصحوب بالحنين المريب المستشري للاستعمار وبين كآبة الأثر البغيض لمرحلة ما بعد الاستعمار التي يبدو أنها بلا نهاية؟

كان موضوع الحنين للماضي مشتركاً بين الأعمال في المعرض، من عمل ليلى شريف “الأغلى عندي،” الذي حوى أرشيفاً من صور عائلية، إلى أغطية الوسائد الموشاة المألوفة كماضٍ جميل في عمل ريم جبريل، “بحاسَّة التذكر،” التي كان الهدف منها “التأكيد على حاسة الشم كجزء من الذكريات المشتركة العديدة.” تصف جبريل “الخداع النفسي” في الحنين إلى الماضي، ولكن أيضا الطريقة التي “يسمح لنا فيها بأن نستمد القوة من الذكريات،” وتشير إلى قوة “الشوق إلى شيءٍ لم يعد موجوداً ولكنه يُعرِّف إحساسنا بالانتماء.” بينما ركز عمل جبريل على الشم، أعاد ملصق الفيديو لملاك الغويل “مندار” جوانباً من الذاكرة الثقافية للحياة، بما فيها شذرات من العمل الشعبي “بسباسي.” هذه الأعمال أخبرت عن موضوع إعادة تفسير ما يتلاشى وفهم ما يتبقى. فبحسب إيرل، مرة أخرى، هذه هي “إمكانات الحنين إلى الماضي الحاسمة” الذي “يبقي على إعادة بناء ’مستقبل ماضٍ‘ حية ويقارنها بالحاضر.” لا تتعلق الذكرى بالماضي بقدر تعلقها بإعادة بناء الماضي الفعالة والمستمرة في الحاضر وللمستقبل.

تصف سفيلتانا بويم الحنين إلى الماضي كالعمل على “تركيب صورة على أخرى — الوطن والخارج، الماضي والحاضر، الحلم والحياة اليومية،” هذا التركيب تصفه بويم بـــ”الصورة السينمائية للــــ”التصوير بالتعرض المزدوج.” هذا المنهج هو ما تتبعه جيهان الكيخيا في شريطها الوثائقي المتحرك، “البحث عن الكيخيا،” وهو عن اختفاء والد المخرجة، التي نسجت مقاطع فيديو عائلية لمنصور الكيخيا مع مقاطع إخبارية، ملتقطة الحاجة للعودة مرات ومرات للصور التي تبقى، والتي تحمل في ثناياها العبء العاطفي للعجز عن الحداد. سبر الكيخيا لأغوار الاختفاء وضلاله النفسية يتصل بعمل الروائي الليبي هشام مطر الذي سبر أغوار غياب أبيه بصيغة أدبية في كتابه “العودة: الآباء والأبناء والأرض التي بينهم” (2016). فكلاً من الكيخيا ومطر ينسجان الحياة في ضل هذه المأساة الشخصية غير المحسومة مع ثورة 2011، نهاية نظامٍ لا يقدم نهاية حاسمة للآثار المستديمة لما فرضه على الناس لما يربو عن أربعين عاماً.

يكتب هشام مطر في “العودة” عن حقيقة أنه يوجد عدد قليلٌ من الكتابات التاريخية الحديثة عن ليبيا، والكتابات المتوفرة على الأغلب كتبها مؤلفون غربيون. يخلص مطر إلى أن هذا النضوب في المراجع التاريخية يعني أنه “لتكون ليبياً يعني أن تعيش مع الأسئلة.” لم يسعَ “اقتفاء أثر مشهدٍ متلاشٍ” لأن يقدم إجابة شافية عن مثل هذه الأسئلة، ولكن ليستكشف ما يعنيه الصراع مع غياب الإجابات، الآن وفي المستقبل.