هذه المساحة، ومساحات أخرى

علي الريشي

كنت أتمنى أن تكون، بالإضافةِ إلى هذه المساحة، مساحة أخرى للحديث عن صورةٍ أخرى.. وكنت أتمنى لو أن تكون هذه الصورة الأخرى صورتي عندما كنت طفلاً أجلس مع أطفال الحي في ساحة “جامع النخلة”.. وكل منا يقرأ في لوحه – ويعيد قراءة – ما كتبه له سيدنا الفقي من الآيات القرآنية.. حتى تصبح جزءاً من ذاكرتنا.

عندها، كان من الممكن لي أن أتحدث عن شيء أو شيئين من آلاف الأشياء الجميلة التي لا زالت تزورني من وقتٍ لآخر.. عن الذهاب إلي الجامع في صباحِ كل يومٍ من أيام عطلة الصيف.. وعن الخطواتِ التي كنا نأخذها في طريقنا إلي الجامع، والتي بالرغم من أنه كان فيها شيء من الرغبة إلى الذهاب إلى البحر، كان فيها، أيضاً، الشيء الكثير من العزيمة.. العزيمة الهادئة التي كان مصدرها مشاعر الحب لآبائنا وأمهاتنا التي كنا نحملها معنا دائماً وفي كل صباح.. فلقد كنا ندرك جيداً أن سعينا لحفظ القرآن كان يوفر لهم شعورا بالأمن والرضا.. شعورا بالسعادة إن شئت.

وعندها كان يمكن لي أن أتحدث عن نسيم البحر البارد الذي كان يجد طريقة إلي ساحةِ الجامع في أيام الصيف الحارة.. وعن الشعور الجميل في ظل الساحة الطري المنعش، الذي لم أجد، إلى الآن، شعوراً مثله في أي ظلٍ آخر.. وعن النخلة العريقة التي كانت ترتفعُ في وسط ساحة المسجد.. والتي لا يزال جذعها المستقيم يسكن في ذاكرتي.. وعن سيدنا الفقي الذي كان يتمتع، من وقت لآخر، بالرفق واللين.. والذي كان يختلفُ في هذا مع فقي “جامع الحَدّادَه”.

كان “جامع النخلة” قريباً من منزلنا في شارع بن عمران.. أحد شوارع بنغازي القديمة.. وكان يقع في نهاية الشارع عندما تكون في طريقك إلى غرب المدينة.. وعندما تصل إلى تقاطع شارعنا مع شارع المحيشي سوف ترى مبنى يختلف عن بقية مباني الحي.. سوف ترى مدخل المبنى المهيب الذي بُنيَ على الطراز الإسلامي بالإضافة إلى تفاصيل من المعمار الباروكي.. وسوف ترى نوافذ الطابق الثاني التي فيها الشيء الكثير من طراز عصر النهضة الأوروبي.. وهذا الطراز التآلفي يخبرنا أن المبنى ينتمي، بدون شك، إلى المرحلة الأخيرة من تاريخ الدولة العثمانية.. ولهذا المبنى ولصاحبه، عمر فخري المحيشي، أهمية في تاريخ مدينة بنغازي.. غير أن ما يهمني هنا هو أنه بعد وفاة عمر فخري المحيشي أصبح هذا المبنى يعرف باسم منزل أحمد رفيق المهدوي.. شقيق زوجته.

كان من عادة أحمد رفيق أن يجلس على كرسيه أمام قلعته.. ولعله كان عندها في السنة الأخيرة من حياته.. وكانت طلعته، بالرغم من تواضعه وميله إلى المرح، طلعة مهيبة لا تختلف كثيراً عن مدخل منزله.. وكان مظهره يعود، هو الآخر، إلى المرحلة الأخيرة من العهد العثماني.. كنتُ وبقية أطفال الحي على علمٍ غامضٍ وبريء بالمكان الخاص الذي يتمتع به أحمد رفيق في التراث الثقافي والسياسي في بنغازي، وفي ليبيا بصفة عامة.. غير أن علمي بهذا المكان الخاص كان أقل غموضاً.. فلقد كانت تربط عائلتنا علاقة غير مباشرة مع أحمد رفيق.. فالشريف الماقني – أحد رواد التعليم والأدب ومقاومة مشاريع الاستعمار الإيطالي الثقافية في ليبيا – كان من أعز أصدقاء أحمد رفيق.. و”سي” الشريف كانت له غرفته الخاصة في منزل شقيقه “سي” خليفه، زوج خالتي.. كان من الطبيعي، إذاً، أن تكون علاقة سي الشريف بأحمد رفيق جزاءاً من تراث عائلتنا في سنوات الطفولة.. ولست أذكر أن معرفتي بهذه العلاقة هي التي كانت تقترح عليَّ أنه من الممتعِ أن أذهب لتحية أحمد رفيق بعد خروجنا من الجامع.. ولست أذكر، أيضاً، إذا ما كان أحمد رفيق- وهو جارنا – يعرف أي شيء عن هذا الطفل الذي كان يأتي لتحيته.. غير أنني أذكر جيداً أنه كان يمد يده ويقول بصوتٍ ناعم لا يخلو من المرح “بوُص”.. وبعد أن أقبل يده يخرج من جيبه قطعة معدنية من فئة القرشين.. والتي – بعد شيء من التردد والخجل – ينتهى بها الأمر إما في حاويتي للادخار – في “الشقاقة” الفخارية إن شئت – أو لشراءِ قطعةٍ من شوكلاته “برنس” الإنجليزية.. التي كانت تعرف عندها بشوكلاطة قرشين.

ويمكن للمرءِ أن يجد أحمد رفيق في “مقهى المحيشي” الذي يقع مباشرة بعد مدخل منزله.. ومازلت أذكر – سنوات بعد رحيل أحمد رفيق – أن صاحب هذا المقهى قد اختار أن يُزين حائط المقهى بصورة الرئيس الأمريكي جان كيندي.. وأغلب ظني أن جان كيندي كان قد وافاه الأجل عندها.. واختيار صاحب المقهى لهذه الصورة هو استثناء في غاية الحرية.. فلك أن تجد في المقاهي والمحلات الأخرى صورة للملك إدريس أو جمال عبد الناصر أو فرق الكرة المحلية أو نجوم الموسيقى والسينما المصرية.. أو آيات من القرآن الكريم.

قلت، كنت أتمنى أن تكون، بالإضافة إلى هذه المساحة، مساحة أخرى للحديث عن صورتي عندما كنت طفلاً أجلس مع أطفال الحي في ساحة “جامع النخلة”.. عندها كان من الممكن، أيضاً، أن يسألني أحد القراء عن الطريق التي أخذتني من طفلٍ صغير يسعى إلى حفظ القرآن في أحد مساجد الحي وينتمي، في الوقت نفسه، لصديقه البحر، إلى طالبٍ في الجامعة الليبية ببنغازي – في السنة الثانية أو ما حولها – يُلقي محاضرةً في قضايا لها علاقة بالهندسات غير الإقليدية وباستعمال اينشتاين لأحد هذه الهندسات في نظرية النسبية العامة.. والإجابة على هذا السؤال أمرٌ في غاية الصعوبة.. فعندما يتحدث المرء عن المنحنى الشخصي لاهتماماته منذ الطفولة – عن الثوابتِ والمتغيرات في هذا المنحني – فإنه ليس له خيارٌ آخر سوى أن يقامر.. سوى أن يرمي حجر النرد عندما تزدحم في ذهنه التجارب.. أو عندما يختفي الوضوح عن قيمة تجربة ما، أو عن غيرها، في منحنى اهتماماته.. غير أنه عندما يقامر المرء، وهو يتحدثُ عن المنحنى الشخصي لاهتماماتهِ منذ الطفولة، فإنه يُعَرضُ نفسه لأمرٍ في غايةِ الخطورة.. وهو تجاهل الولاء للحقيقة.. أو للوضوح، على الأقل.

غير أنني لست في حاجةٍ إلى أن أقامر عندما أقول – وكلي وضوح – بان اهتمامي بالهوية المنهجية والمنطقية للفيزياء والرياضيات قد بدأ في مرحلة الدراسة الثانوية عندما كنت طالباً بالقسم العلمي.

ومهما يكن من أمر التجارب التي أخذتني إلى هذه الاهتمامات، أو إلى غيرها، هنالك من سوف يصاب بالدهشة عندما يكتشف أنه في ذلك الوقت كان يمكن للمرء أن يجد في بنغازي أحد طلبة الجامعة يتابع هذه الاهتمامات.. وهنا أريد أن أقول أنه بالرغم من أن اهتماماتي هذه كانت – وربما لا تزال – استثناءً عن الاهتمامات الشائعة بين المهتمين بدراسة الرياضيات والعلوم الطبيعية والإنسانية الأدب في بنغازي.. بالرغم من هذا الاستثناء – وهو، بالطبع، استثناءٌ في الاهتمام وليس في القدرات – إلا أنه ليس هنالك ما يدعوا إلى الدهشة في أن يأخذ هذا الاستثناء مجراه في بنغازي في ذلك الوقت.. فمن يعرف شيئاً عن بنغازي في ذلك الوقت يعرف أنها كانت مدينة بالمعنى الحقيقي للمدينة.. وأعني هنا بالمدينة أي كيانٍ اجتماعي يتمتع أفراده بحقهم في اكتشاف ومواصلة اهتماماتهم التي تعتبر استثناءً لاهتمامات أهل الثقافة الشائعة.. فلقد كان لصاحب المقهى، على سبيل المثال الحرية في أن يزين حائطه بصورة رئيس أمريكي راحل.

كانت بنغازي، قبل أن تصبح مدينة، مدينة بعيدة الاحتمال.. فمن الواضح أن تاريخ بنغازي – وهي المدينة متوسطة الحجم وحديثة النشأة – يختلف عن تاريخ مدن العالم الإسلامي والعربي ومدن العالم الآخر العريقة، التي بدأت كتجلياتٍ عمرانية لمشروع سياسي أو حضاري لدولة من دول التاريخ الكبرى.. صحيح أن بنغازي كانت مدينة مزدهرة – بالمعنى الإغريقي والروماني للمدينة –  غير أنها أصبحت قبل الفتح الإسلامي، وبعده، مجرد قرية.. وفي منتصف القرن التاسع عشر بدأت عناصر المدينة تتجلى في بيوت وشوارع وأسواق المكان.. وفي صدور وأذهان الناس.. ولست أريد هنا أن أتحدث عن المراحل التاريخية التي أخذت بنغازي إلى أن تصبح مدينة.. غير أنني أريد أن أقول أن هذا التاريخ يخبرنا أن بنغازي الحديثة – وشأنها في هذا شأن مدن أخرى – قد ولدت من رحم الهجرة.. الرحم الذي يختلط فيه الألم، الذي لا يخلو من الغربة والانتظار، مع الأمل ومع السعي إلى التسامح .. وشيء من روح المغامرة.

ويمكن للمرء أن يقول بكل ثقة أن الأصول العائلية لأبناء وبنات بنغازي ترجع إلى كل مدن وقرى ليبيا، وإلى ما وراء البحر.. فبنغازي هي الوعاء الذي انصهرت فيه العناصر الاجتماعية والثقافية لهذه المدن والقرى.. ليس هنالك، إذاً، ما يثير الدهشة عندما يكتشف المرء أنه في الوقت الذي يحمل فيه أبناء وبنات بنغازي جميع أشياءٍ ليبيا في داخلهم، يحملون، أيضاً، أشياء المهاجر.

فالمهاجر الذي ينتهي به الأمر في بيئة اجتماعية ولدت من رحم الهجرة.. والتي بالرغم من أنها لا تخلو من الصداع الذي يتركه خمر التمييز العِرقي أو الثقافي، إلا أنها لا تعاني من هذا التمييز كظاهرة مَرَضية.. وتسعى، في الوقت نفسه، إلى ترسيخ ثقافة التسامح، التي تؤدي، بدورها، إلى بناء عناصرٍ ثقافيةٍ مشتركة تتمتع بالمرونة وباحترام الاختلاف.. هذا المهاجر الذي يجد نفسه في هذه البيئة الجديدة سوف يشعر بشيء من الحرية.. فهو الآن يقضي وقته بعيداً عن عيون العقل الجماعي التي كانت تحاصره في بيئته الأم.. وهذه الحرية توفر لهذا المهاجر – إذا كان يملك الرغبة والاستعداد – المساحات المناسبة لاتخاذ المبادرات الحرة وللاستثناء.

وهنا أقول لعل هنالك من يعرف شيئاً عن اهتماماتي المعرفية الأخرى التي يبدو أنه ليس لها علاقة بالهوية المنهجية والمنطقية للعلوم الدقيقة – للعلوم الطبيعية والرياضيات – ولعله يعتقد أن هذا التعدد في الاهتمامات هو استثناء آخر يدعو إلى الدهشة.. غير أن ليس هنالك ما يدعو إلي الدهشة هنا.. فبالرغم من النمو المعرفي الذي بدأ يأخذ مجراه بعد الثورة الصناعية والذي أدى، بدوره، إلى أحادية الاهتمام.. إلى التفرغ في مجال تخصصٍ بعينه.. إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هنالك من يعبر الجسور الطبيعية التي تمتد بين تخصصه وبين تجليات العقل الأخرى.

ولعله من المناسب أن أذكر أنه بالرغم من أن تعدد اهتماماتي المعرفية لم يكن أمراً شائعاً في بنغازي إلا أنه لم يكن استثناءً.. حسين مخلوف، على سيبل المثال، الذي كان أستاذي في الكيمياء في المرحلة الثانوية، والذي كان في غاية الذكاء والمعرفة وفي غاية الصدق – والتي أخذته جميعها إلى أن يكون في غاية الاغتراب – كان، بالإضافة إلى اهتمامه بقضايا لها علاقة بالعلوم الطبيعية والرياضيات، يعبر الجسور التي تمتد بين اهتمامه هذا وبين اهتماماته الأخرى التي لها علاقة بالعلوم الإنسانية وبالشعر والمسرح والرواية.. وبالشأن العام.. كان، على سبيل المثال، يكتب المسرحية وكان يتحدث في الأدب العربي والعالمي عندما يكتب المقالة.. وأذكر أنه قد اقترح علي ذات مرة اقتراحاً في غاية الاستثناء.. اقترح على أن أترجم شيئاً من أعمال “جيمس جويس”.. ولقد أسعدني اقتراح حسين، بالرغم من أنني كنت عندها مجرد طالب جامعي لا يملك الرغبة أو الاستعداد المهني لترجمة أعمال الرجل الذي كانت اللغة الإنجليزية بالنسبة له مجردة مادة خام.. وأن ترجمة أعماله إلى العربية – إذا كانت ممكنة على الإطلاق – تحتاج إلي الكثير من الخبرة.. الخبرة التي توفر لصاحبها القدرة والمهارة على خيانة الهوية الفنية للنص.. وهو أمر لا يمكن تجنبه عند ترجمة الأعمال الأدبية.. بدون خيانة المحتوى الأدبي للحديث.. وعندما يدرك المرء أن هدف جويس هو تجاهل المسافة التي تفصل بين الهوية الفنية للنص وبين المحتوى الفلسفي والوجداني للحديث يدرك صعوبة ترجمة أعماله.

هكذا، إذاً، كانت بنغازي.. طفلا يذهب لتحية “شاعر الوطن” الذي يجلس بجانب المقهى.. أو في المقهى نفسه.. الذي يختار صاحبه أن يزين حائطه بصورة جان كيندي.. وأستاذ الكيمياء الذي يعبر الجسور إلى تجليات العقل الأخرى يقترحُ على هذا الطفل – عندما كان مجرد طالبٍ جامعي – أن يترجم شيئاً من أعمال جيمس جويس.

وعندما تولد مدينتنا العنقاء من رمادها مرة أخرى، ليس للمرء أن يصاب بالدهشة عندما يكتشف أن الطفلة، التي كانت تذهب إلى أحد جوامع الحي لحفظ القرآن، قد عادت من أحد جامعات الغرب وهي تحمل شهادة الدكتوراة في هندسة ميكانيكا الكم.. وبعد أن أصبحت عميدة لكلية الهندسة بجامعة بنغازي، أخذها اهتمامها بقضايا الشأن العام إلى أن تصبح عميدة لبلدية المدينة.

وليس للمرء أن يصاب بالدهشة عندما يكتشف أن صاحب المقهى الذي تتردد عليه عميدة البلدية وزوجها قد أختار أن يزيّن جدران المقهى بصورة لعمر المختار.. وفي أعلى الصورة عبارة من قصيدة رجب بوحويش عن معسكرات الاعتقال والإبادة، يصف فيها صديقه عمر المختار بأنه “العاصي علي طول ما يوم سلم”.. وهنالك على أحد جدران المقهى آيات من سورة القلم: “اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم”.. وصورة لجيمس جويس، وصورة أخرى لحسين مخلوف.

وصاحب المقهى هذا لم يكن يعرف شيئاً على الإطلاق عن الأمور التي تحدثت عنها في هذه المساحة.