لماذا الغرفة 211؟

لطالما كانت علاقة الكُتَّاب بمجتمعاتهم ملتبسة، مشوبة بسوء الفهم، وكثيرا ما نُظِر إليهم على أنهم مخلوقات مزعجة تعكر صفو المجتمع. لقد جسّد الأديب الراحل خليفة الفاخري هذا التنافر مطلع السبعينيّات في نصّ يُعَدّ من كلاسيكيات الأدب الليبي، “موسم الحكايات.” يصوّر الفاخري كاتبا منعزلا في غرفة تحمل الرقم 211، في فندق عتيق يطل على مدينة ضيقة الصدر. ينهمك الكاتب الذي يشعر بوحدة عميقة، ورغبة في الحديث إلى الآخرين في سرد الحكايات الشائقة التي تملأ ذاكرته وقلبه. وما إن يمضي في النقر على الآلة الكاتبة حتى يشرع نزلاء الغرف المجاورة في الشكوى من صوت حروفه المزعجة. ينتهي الحال بالكاتب مطرودا من غرفة إلى غرفة، وهو ما يزال يعتقد أنه يكتب للآخرين.

إن هذه المفارقة الأدبية لا تختلف كثيرا عن الواقع، إذ طالما اعتقد الكتاب أنهم يكتبون لمجتمعاتهم، فيما تشتكي مجتمعاتهم من ضجيج هذه الكتابة التي تعكر سكينتهم. في ليبيا مثلا، تكررت حالات الإزعاج الثقافي بين الكتاب والمجتمع التي بيّنت سوء الفهم بين طرفي العلاقة: مجتمع وادع يطلب السكينة والهدوء، وكُتّاب يرغبون في الحديث لمجتمعهم عن حكاياتهم ومشاعرهم وآمالهم ومآسيهم العالقة في قلوبهم. الغريب في الأمر أن هذا التذمر المدوي من الفنون يحدث في مجتمعات تدمرها الحروب، والاضطهاد الوحشي والفوضى والتدهور الاقتصادي والتفكك الاجتماعي والفساد الإداري، وانحطاط مستوى جُلّ الخدمات التي تقدمها الدولة. وبالرغم من المعاناة التي يقاسيها المواطنون في بلادنا، إلا أن الأدب والثقافة والفنون تبدو لهم أكثر خطرا من الويلات الملموسة التي تعصف بموطنهم ومجتمعهم.

هذا الوضع قد يدفعنا لنتساءل أنه ربما مجاز غرفة الفاخري والنزلاء الراغبين في السبات قد لا يكون مناسبا تماما لوضعنا، فنحن في مجتمع نجد فيه الأفراد والفئات، قادة وأتباعا، أميين ومتعلمين، ليسوا نائمين بل منهمكين ومنشغلين في تدمير بلادهم. ربما الأدب والفنون لم تقلق عامة الناس والهياكل المهيمنة على المجتمع، بل فرضت عليهم أن يتوقفوا ولو قليلا عن التهشيم والتخريب وأن ينظروا إلى ما هم فيه من دمار وليروا واقعهم على حقيقته.

هذا الاحتمال يفرض علينا نحن بوصفنا أدباء وفنانين أيضا أن نعيد النظر في المنتج الثقافي في بلادنا، خاصة في العقد الأخير، وما تأثيره والدور الذي يلعبه في مجتمع يضمحل ويتفكك؟ كيف نفسر هذا المنتج الذي لا يفيق النائم ولا يجعل الباطش يتوقف ولو قليلا عن البطش؟ ما هو دوره؟ هل هو نوع من الغذاء يدعم المثقفين والفنانين ويعينهم على البقاء وسط كيان سياسي يتدمر ومجتمع يهترئ؟ أم أن هذا المنتج الثقافي غير المزعج يغذي الوضع الراهن ويترك الخامدين لسباتهم والمدمرين لدمارهم؟

نحن ندرك أن هذه أسئلة مزعجة بحد ذاتها، ولكن هذا الوضع المأساوي الذي تمر به بلدنا يتطلب منا التفكير بشكل جاد، ليس فقط عن جدوى العمل الثقافي والفني في بلادنا، بل أيضا عن التغييرات المطلوبة في مفهومنا للثقافة وللفنون، ولدورنا في المجتمع وفعالية أساليب وطرق عملنا خلاله.

الغرفة 211، إذن، ونعني هنا هذه المطبوعة، هي محاولة لبدء موسم جديد لتلك الحكايات التي ضاعت ذات يوم في ضجيج التقاتل والتي أسكتها زحير الراقدين. إنها دعوة إلى منح فرصة ثانية للاستماع –دون تشويش – إلى أصوات جيل جديد من مبدعات ومبدعين ما يزال أغلبهم يُطرَد من منفى إلى منفى، وما تزال حكاياتهم ضائعة! كما أننا ننوي للغرفة 211 أن تكون مساحة ومجال لنقاش أرحب يسهم فيه جمعٌ من المبدعين الذين لا تجد أفكارهم منشورات جادة مختصة، ومسعى لتفعيل حوارات إبداعية متعددة بين الأجيال والأقران، وفضاء لطرح أسئلة أساسية أكثر اشتباكا مع المجتمع، ومعنية على وجه الخصوص بشأن الوضع الحالي في ليبيا بمفهومه الأعمق.

كما تطمح مطبوعتنا لأن تملأ فراغات معرفية نراها ضرورية لتعزيز مشهدنا الثقافي ولتنمية المبدعات والمبدعين الجدد ولإلهام مسارات خلاقة في كافة المجالات الفنية والثقافية. فضولنا والأسئلة التي نطرحها والإبداع الذي نتبناه تنطلق من قناعتنا أن ما نحتاجه هو تغيير إدراكي شاسع، وأن جل عملنا سيتمحور حول سؤال أساسي وهو، كيف نرتقي بعقل وضمير الإنسان في بلادنا.

تطرح الغرفة 211 هذه الرؤية الطموحة والمسؤولية الجسيمة على العاملين بها في تراب جغرافي ومعنوي يتّسم بانتكاس دور الدولة في الثقافة بعدما احتكرت هذا القطاع وأساءت لمسؤولياتها تجاهه لخمسة عقود، وبمناخ تعليمي معلول يتسم بشحّ في الدراسات والبحوث المنهجية القيمة، وممارسات نقدية فردية متشتتة غير قادرة على بعث روح التجديد في إبداعاتنا. لعل من أبرز التطورات التي نتجت عن الانتفاضة الليبية هي بروز كيانات ثقافية مستقلة تحاول أن تسير سفينة الثقافة على نحو أكثر انفتاحا واستجابة لمقتضيات الساعة ومقاييسها، وإن كان هذا القطاع مازال يفتقد للدعم والخبرة والتخطيط الكافي ليقوم بالدور المتوقع منه، إلا أن استقلاله وتنوعه وعفويته وانتشاره عبر ربوع البلاد مكتسبات لا بد من المحافظة عليها، لأنها جملة، هي المكونات الأفضل لتجديد الفنون والثقافة في بلادنا.

في خضم هذه التوقعات والآمال، وبين وسع الحلم وضيق الرحلة، وكبر الفكرة وصغر الدولة، كما يقول درويش، تقدم مطبوعتنا الغرفة  211 نفسها، كما صورها الفاخري، فضاء تنبعث منه الأحلام وتتواصل الروح منه مع الآخر متمسكة بقناعاتها بأن حرية التعبير حق أساسي وأن ممارسة الفنون التزام وجودي، ليوقف حلقة التقاتل والدمار، وليفيقنا من خماد التيه والاندثار.