على الساحل الآخر

هشام مطر

على الساحل الآخر

هشام مطر

ترجمة: أحمد شافعي

لباسل خزام، الذي كان يكتب باسم مستعار هو أليساندرو سبينا، قصة غير معهودة، وفي الوقت نفسه بالغة الأهمية. وهي قصة تنتمي إلى جغرافيا المنطقة الكامنة في قلب أعمال الكاتب، أي منطقة البحر المتوسط العربي الأوربي. ولد باسل خزام في عام 1927 لأسرة مرموقة من بنغازي ترجع جذورها إلى حلب. وكان آل خزام من المارون يمتلكون مصانع ملابس في بنغازي، وفي عام 1954، رجع أكبر أبناء الأسرة باسل، القارئ الشغوف والمتذوق العميق للأوبرا ولبروست من ميلانو التي كان يكمل فيها دراسته الجامعية فتولى أعمال الأسرة وأدارها بنجاح على مدار ربع القرن التالي. ولم يبد أنه يبغض ذلك العمل، بل لقد دأب في واقع الأمر على القول بأنه يجد فيه منفعة إبداعية.

والذين عرفوا باسل خزام في ذلك الوقت يتذكرون أنه كان أنيقا متحفظا ذكيا، من الأكثر ثقافة في الوسط الثقافي الناشئ آنذاك حول شاعر ليبيا الوطني أحمد رفيق المهدوي ابن الجيل السابق على جيل خزام. في ظل الاحتلال الإيطالي، اضطر المهدوي إلى الفرار إلى تركيا، لكن حدث بعد الاستقلال سنة 1951 أن قام الملك إدريس بتعيين الشاعر في مجلس الشيوخ فرأى خزام والمعاصرون له في تلك الخطوة إيذانا ببدء عصر جديد من الحرية الفكرية. لولا أنه كان عصرا قصير العمر. إذ ظهرت قيود على الحياة الفكرية بعد عام 1969 الذي تولى فيه معمر القذافي السلطة. وفي سبعينيات القرن الماضي بدأت الدكتاتورية في “تأميم” الشركات، فكان معنى ذلك ببساطة هو الاستيلاء عليها وإغلاقها. وخسر آل خزام مصنعهم سنة 1978. وبعد سنتين من ذلك تعرض محمد فراج حمي المحامي اليساري، والأكاديمي، وصديق الأسرة، للاعتقال والتعذيب حتى الموت. ورحل خزام إلى إيطاليا، فعاش في لومباردي حتى وفاته سنة 2013.

ما لم يكن ليتوقعه إلا القليلون آنذاك هو أن يتجه رجل الصناعة المتقاعد البالغ من العمر ثلاثة وخمسين عاما إلى مساعيه الأدبية، التي بدأها قبل بضع سنين، فيكتب بالإيطالية تحت اسم أليساندرو سبينا المستعار، عسى أن يمنح أعماله بذلك مزيدا من الاستساغة لدى القارئ الإيطالي وليجتنب أيضا ترصُّد عيون عملاء القذافي الأمنيين، وأن تسفر مساعيه هذه عن نتاج أدبي ملحمي الحجم، إذ يبلغ أحد عشر عملا سرديا بين الروايات والنوفيلات والقصص القصيرة يؤرخ فيها لبنغازي منذ غزو الإيطاليين لها سنة 1911 إلى ما بعد الاستقلال. تعرف هذه الأعمال في مجموعها بـ”حدود الظل”، وقوامها ثلاثة مجلدات في ترجمتها الإنجليزية التي قام بها أندريه نفيس ساحلي وصدر حديثا المجلد الأول منها ـ شاملا فترة الغزو، وينتظر أن يصدر المجلدان الآخران خلال السنتين القادمتين.

في رواية “الماروني الشاب” – التي تستهل هذا المجلد – نجد أنفسنا في منزل ببنغازي برفقة أتراك وإيطاليين وعرب. البيت يخص الحاج سميريت أفندي، وهو النبيل التركي الموصوم الذي اضطر إلى هجران عمله السياسي في إسطنبول بعد اتهامه بالتآمر. “وسواء أكان في حقيقة الأمر مذنبا أم ضحية افتراء، فقد كان خارج اللعبة”، وبعث إلى بنغازي في الفناء الخلفي الراكد من الإمبراطورية العثمانية الآفلة، ليحتمل عاره في صمت. بطل الرواية إيميلي تشيباس، وهو تاجر ماروني شاب كادح من حلب، ينتهي به المطاف في رعاية الحاج سميريت. يحدث هذا غداة غزو الإيطاليين لليبيا، متصورين أن يلقوا فيها الترحاب اللائق بالمحررين ليجدوا أنفسهم بدلا من ذلك في أرض معادية. “لم تكن معاقلهم الحقيقية تعدو بوارج جانحة في بحر شاسع غدار”، فالمقاومة الشعبية تتجمع على أبواب بنغازي. وتراوح فصول الرواية بين حياة سميريت وتشيباس والشخصيات المحيطة بهما، وما يجري بين الضباط الإيطاليين والأرستقراطيين من حوارات لا يكاد يوجد تعليق عليها. ويتعامل سبينا مع الأسلوبين كليهما [أي السرد والحوار] تعاملا مقنعا. ينصب التركيز على التداعيات الاجتماعية، وكذلك الخيالية، للحظة وصول الأوربيين إلى أفريقيا. وعلى حد وصف ضابط جيش في إحدى حفلات المجتمع الراقي في ميلانو: “لا يكاد المرء يصل إلى الساحل الآخر، حتى يؤمر بعمل ما يناقض صراحة وصايا الرب”. ويقول ضابط إيطالي آخر إن إيطاليا سوف تجعل من ليبيا ماخورا “تقدمه لشبابنا، فينفِّسون فيه عن كامل أهوائهم الإنسانية والبطولية والسادية والجمالية”.

تدور أحداث النوفيلا التالية، وهي “زواج عمر” في عام 1920، وقد باتت قبضة المحتلين على البلد أشد أمنا، وبات الاتصال بين الإيطاليين والليبيين أوثق. يولع الكونت ألونزو ـ الذي يصر على تشغيل أفراد من السكان “الأصليين” بهدف تمدينهم ـ بسائقه الليبي الشاب عمر. أما زوجة ألونزو، أي الكونتيسة روسينا، فأقل منه ثقة في المشروع الكولونيالي. وهي ترتاب في أبناء البلد وتفضل توظيف الإيطاليين. يتبنى الكونت عمر. وحينما يقدم أنطونيو ابن أخت الكونتيسة ليعيش مع خالته وزوجها، تنشأ بينه وبين عمر صداقة فلا ينفصلان قط. والنوفيلا تأمل عميق في المشروع الكولونيالي من خلال تعقيدات الحب والرغبات والولاءات الأخوية لدى مجموعة من الشخصيات اليائسة التي تتجاور حياتها في بنغازي في الوقت الذي تطل فيها الفاشية بوجهها القبيح. وينتهي الكتاب بقصة قصيرة هي “زائر الليل” التي تجري أحداثها على خلفية الهزيمة النهائية للمقاومة الليبية.

لدى سبينا حساسية أدبية عميقة ورهيفة. فنثره الثري المتنوع (في ترجمة أندريه نفيس) مبهَّر بمقولات تنم عن عمق سيكولوجي وفلسفي. ففي “زواج عمر” تحكي خديجة، وهي من العاملات لدى الكونت، وذات موهبة خاصة في التلاعب الاجتماعي، بأن “بوسع الصادقين من الناس دائما أن يحكوا لك قصة حياتهم في نفس واحد”. وحينما يشارف عبد الحكيم، وهو الخادم الذكي الذي يهبه سميريت للماروني الشاب، على الموت لسبب سياسي يفكر بينه وبين نفسه بأنه “كان خيرا لي أن أموت بلا هدف من أن أموت لسبب فعلي”.

وفي الكتابة سمت سابق على الحداثة، ذو حس خرافي، فالمونولوجات الداخلية ـ المخصصة في أغلب الحالات للشخصيات الإيطالية ـ ذات طابع مقالي وهي أشد تحفظا من أن تنقل الشكوك السيكولوجية وتمزقات الحياة الداخلية. فسبينا روائي أكثر اهتماما بالتاريخ منه بالوعي. ونقطة التميز التي يخلعها على نفسه تكمن في طرحه عملا شاملا عن تجربة كولونيالية معينة. وما يكتب عنه من عالم وعلاقات هو شيء إما لم يصوره الأدب قبله من قبل أو لم يصوره إلا لمامًا.

لم تزل إيطاليا تأبى الاعتراف باستغلالها لليبيا، وذلك ربما يفسر السبب في أنه على الرغم من فوز “حدود الظل” بجائزة باجوتّا المرموقة في ميلانو وحظوة كاتبه بإعجاب ألبرتو مورافيا وكلاوديو ماجريس وآخرين، لم يزل سبينا غير مقروء تقريبا في إيطاليا. ومن حسن الطالع أن لدى القراء الأنجلوفون الآن فرصة للحكم بأنفسهم. ففي أعماله زاوية نظر نادرة وقيمة إلى تاريخ إيطاليا وليبيا، وتاريخ الكولونيالية الأوربية في الشرق الأوسط بصفة أعم. والمرء بقراءته سبينا يتذكر ملاحظة أنطونيو جرامشي بأننا نتاج عملية تاريخية “أودعت فيـ[نا] آثارا لا حصر لها، عددا أو بيانا”. وكتاب “حدود الظل” محاولة لتقديم هذا البيان.

ومع ذلك، لا أحد يعرف يقينا متى سترجع يوما أعمال أليساندرو سبينا إلى وطنها، لأنه لم يعثر بعد على المترجم المناسب لها من الإيطالية إلى العربية.