الميكانيكي الطيب متهما بالقتل

شكري الميدي آجي

الميكانيكي الطيب متهما بالقتل

شكري الميدي آجي

 

التقيتُ به مصادفة، على إحدى الحافلات، بدا حزيناً، بملاس أنيقة، ملثم الوجه، بيدين معروقتين، ظهر لي أقرب لشخصية من شخصيات إبراهيم الكوني الكاتب الطارقي، بنظارات شمسية على وجهه، فأخبرني شارحاً بعد أحاديث متفرقة عن البناء والهدم، عن أساليب سوء الطوية، بلغة عامية صرفة، مشبعة بالتلميحات، تحدث بها بعد أن عرف بأنني أكتب زاوية صغيرة في إحدى الصحف، لأنني أهملت أن أخبره بأنه لا أحد يقرأ تلك الزاوية. لكنني كتبتُ في زاويتي بلسان المتكلم ما قاله، كنا نتحدث التيدكا، ترجمة ما يقوله أمر صعب، إنما لا يمكنني إلا أن أكتب حديثه، لأنه لا أمتلك غيره لزاويتي التي تبدو مهمة لي بلا سبب.

“بكل بساطة تحدث بعض الأمور”.

فأنا ميكانيكي أعمل دوامين، أمتلك منزلاً رائعاً. عمري واحد وثلاثون سنة، يحترمني الكثر من أهالي بلدتي، حتى أثناء الأوضاع غير الطبيعية كالحروب الأهلية لا غنى لهم عني، حتى إنهم يمازحونني: “أنت مثل الطبيب، أنت للجميع”. حسناً، إنه هدف حياتي، أنا مثل الطبيب، مشاع. لذا لا أنحاز لأحد، فقط دوام صباحي حتى الثانية والنصف ومسائي من الثالثة حتى قبيل المغرب. كل شيء منظم، راحة لنصف ساعة نهاراً، لدي الليل بطوله لأزور بعض الأصدقاء، أتابع الأفلام الوثائقية، أرجع إلى بيتي الجديد، أتناول وجبة باردة، أزور أمي وأبي، أستمع لبعض الحكايات، قصص العائلات التباوية، كل شيء يبدو بخير، إلا إنني لست كذلك في نظر والدتي، في نظرها العليل، أنا غير سعيد ووحيد، وإن خوفي من الزواج أمر مبالغ فيه، فالحياة فيها الكثير كما إن الفتيات كثيرات، بوسعها انتقاء واحدة لطيفة، لأجلي. أضحك على الدوام، حين تشرع في هذه السيرة.

أستمع إليها ضاحكاً باقتضاب ثم أرد قائلاً: “أمي، الزواج لا يناسبني”.

“لماذا؟ ما الذي ينقصك”.

“لا شيء، لكنني لا أريد أن أفكر في الأمر الآن”.

وتبكي والدتي، لا تكون الأمور جيدة حين تفعل، والدي الصامت يعاني بعض المشكلات الصحية، صامت في جلسته الهادئة، على الدوام يلوح غاضباً. أحاول أن أتجاهل الأمر لأسير ليلاً إلى منزلي الذي يبعد عدة كيلومترات. كنت أتممت بناءه، قبل ثلاث سنوات. الحياة تسير بسرعة، فتحت الباب، تمددت على سريري ثم أخذت أتطلع إلى السقف، حتى تلك اللحظة، تخطيت كل ذلك الوقت متطلعاً إلى السقف، لا شيء تغير، لا شيء يتغير، حين أنتبه لنفسي، لا أعرف فعلاً في ماذا قضيت تفكيري. غالباً أتذكر بعض الأمور، إنها تبدو محبطة، أتناول القليل من الشطائر الباردة، أشعر ببرودتها وهي تنزل إلى معدتي ببطء، جسدي متهالك، بالرغم بنيتي القوية، أتطلع إلى سقف المطبخ، الحمام، الصالة، أتطلع بصمت، فلا شيء مميز حقيقة. أتجول عبر غرف البيت، إنه مجهز بالكامل منذ سنوات، ما حدث أمر محبط حقاً، أشعر بالبرد حين أتذكره، إنه فقط محبط، دفعت الكثير لإتمامه، ثمناً كبيراً بحيث لا يمكن للبيوت أن تكون أفضل، ابن خالي شرح لي الفرق بين المنزل والبيت، البيت أكثر أهمية، لا يمكن أن يكون الأمر أفضل، بسبب جهلي أستخدم كلمة منزل أحياناً، لكن ابن خالي الأصغر مني بسبع سنوات يعرف بأنه بيت، ربما من الطراز التركي، لكنه حميم، أصيل في كل زاوية، أشعر بأنني محتضن في غالب الوقت، فقط في بعض الليالي، أوه، أشعر لسبب ما بأنني أعاني الوحدة، أتابع تفاصيل البيت، بهدوء، الزوايا، اللوحات الصحراوية لمحمد حجي، ابتاعها لي صديق يدرس الفنون، الأفلام، أتابع كل شيء، بالرغم من أنني أعرف بأنني أتهالك بسبب الطعام البارد، بالرغم من كل شيء، لا أستطيع البقاء بجانب والدي ووالدتي، لا أستطيع تحمل الأحاديث، لذا أعمل طوال النهار، ليلاً لا أعرف ما أفعل، أصدقائي مشغولون بحيواتهم الخاصة، إنهم يعملون مهناً مختلفة، الكثير منهم خارج البلدة، طرابلس وبنغازي حتى مصراته، يعملون بشهاداتهم وأنا لم أتخطَّ السنة الثالثة من المرحلة الابتدائية، هذا سخف، لكنه حدث معي. عملتُ لدى ميكانيكي من اللاذقية مذ بلغت العاشرة من عمري، كنت أعمل طوال الوقت، ولم أتوقف مطلقاً حتى لأجل اللعب، عملت طوال عشرين سنة من حياتي. اللعنة لم أفعل شيئاً غير العمل، جسدي متهالك، أشعر ببرودة كل شيء، مطلقاً لا أفهم الأمر، لذا أنا أعيش في هذه الوحدة الرهيبة، قبل سنوات تقدمت لخطبة فتاة، كنت أمتلك الكثير من المال، الكثير منه، وما زلت أمتلك الكثير منه.

إنه لا شيء.

لكنني أجلس على كنبة عريضة، لأتابع فيلماً وثائقياً، في الصالة الداخلية، شاشة ضخمة، قصة افتراس في إحدى الغابات الأفريقية، إنها الأفلام المفضلة عندي، لدي الكثير منها، الكثير جداً. أتابع قصة أسد منهك، لم يفترس منذ ثلاثة أسابيع، حتى إن جسده هزل بشكل مخيف، عظامه برزت، صار مثل معزاة بشعر كثيف، يترنح أثناء سيره كمسن، يكاد يقع على جنبه، حتى يعثر بالمصادفة وحدها على جاموس ملقي في الوحل، بجانب إحدى الأنهار الأفريقية. الجاموس ينازع الموت، يلفظ آخر أنفاسه، مع ذلك كان فريسة معتبرة بالنسبة لأسد جائع، فهجم عليها، بدرامية مبالغ فيها، فالجاموس على وشك الموت، ولم يكن ليهرب، انقض عليه الأسد بوحشية، حاول نشب أنيابه في عنق الحيوان، حاول مراراً، رفع رأسه ثم أنشب أنيابه لمرة أخرى، عبثاً، كان الأسد منهكاً بحيث لم يعد قادراً على غرس أنيابه عبر ثخانة جلد عنق الجاموس لكسر حنجرته، رفع الجاموس رأسه ثم تطلع من فوق كتفه إلى الفراغ، ربما لم يهتم لما حدث، ليس كالأسد الذي ظل يلهث بإنهاك ثم تمدد بهدوء إلى جانب فريسته، هناك بالقرب من الوحل والنهر، ماتا معاً.

أفهم ما جرى تماماً، مطلقاً لن أكون كأسد هزيل متهالك، الموت نفسه كرامة لا يمكن تجاهلها، كرامة تمنح مجاناً، في أحيان كثيرة يكون مجداً، مجداً أكثر عظمة من النصر. هذا الفيلم الأفريقي لا أكف عن متابعته، كما قلت سابقاً، لدي عشرات الأفلام من نفس النوعية، عن الافتراس في الغابات، فالمرء بوسعه أن يتعلم كثيراً من حياة الغاب، إنه الفكر البري، كما يتحدث ابن خالي، الفكر البري. فأنا مثلاً أحيا بكامل حريتي، في بيتي المكون من طابقين، فالجزء العلوي مخصص لي برمته، إنه مكان مقدس، عالم مختلف كما أشتهيه، الطابق السفلي للزوار من الأصدقاء حين يكونون متوافرين في البلدة خلال مواسم العطلات، بالنسبة لهم، إذ لا عطلات لأجلي، فأنا طبيب لا يرتاح مطلقاً، ألبي كامل الطلبات، كأي طبيب خلال الحرب الأهلية، إنهم يطالبون إنسانيتهم أكثر مما يهتمون لإنسانتيهم، هكذا تحدث الطبيب السلفي حين جاءني لتصليح سيارته، كان ذلك بعد جولة مميتة، أشعلها تجار المخدرات على الحدود، ثم ما لبثت الحرب أن اشتعلت في الشوارع، بحيث لم يعد قارداً على السير خلالها إلا الأطباء وأنا الميكانيكي الذي أتنقل من مكان لأخر، لأصلح أو أقطر السيارات، بعد أن ينقل أطباء إسعاف، الجرحى أو الموتى، أغلب السيارات التي أقطرها تكون محترقة، كلياً أو جزئياً، أسمي تلك المحترقة بالميتة، أما المتضررة جزئياً، فهي مصابة. أسعى جاهداً لتخليص الصالح من أجزائها الكثيرة، لست أستمتع بالأحداث لكنها أزمنة مجنونة. أنت علامة فارقة، قال الطبيب السلفي، انحنى إلى أذني ثم أضاف بلغة أقرب إلى لغة ابن خالي: “أنت تمثل توازناً في البلدة، برغم الحروب الأهلية ظللت تخدم الجميع، لم تتعصب، بل لم تنسق وراء المال، أنت كما أنت، كأن الحروب الأهلية لم تقع في البلدة، تعامل الناس كأنك ما تزال تعيش زمن ما قبل الثورة، حتى إنك ابتنيت بيتك في منطقة الوسطى، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أنت فعلاً علامة فارقة في تاريخ البلدة”.

هذا ما قاله بالضبط، فأنا مطلقاً لا أنسى، قاله بصوت رزين بأنني علامة فارقة، وإن بيتي فريد من نوعه، في منتصف كل شيء في البلدة، تلك الكلمات دفعتني للبكاء ليلاً، كنت أشعر حيالها بغضب هائل، إذ شعرت بأنني لا شيء، أنا مطلقاً، للأبد، ساظل بلا معنى. لا أدري لأجل ماذا كنت أشعر بهذا الحزن، لكنني كنت أظن بأن أحاديث الناس عن كوني حيادي، مشابهة لأن يشك أحدهم بك باستخدام كلمات جارحة، فقد سمعت ذات مرة حين كنت أعمل على جر إحدى السيارات، محادثات غريبة بين بعض أكثر معارفي، بل أقاربي، قال أحدهم وهو في منتصف الأربعينيات.

“لماذا لا يصيب القناص، هذا”.

كنت المعني بكلمة “هذا” إنها صدمة، أن يجعلني نكرة.

“كيف أعرف؟”.

“بل كيف نعرف بأنه ليس واشياً”.

بدأت آنذاك أعاني نوبات القيء لا إرادية من حالتي، كنت لا أعرف ما يمكن فعله بالضبط، أحياناً أجد حسنات حياديتي، حين أساعد أحداً متورطاً في وضع غير طبيعي، حين يتوحش القناصة، أنقذه هو وسيارته، بعد أن تتوقف في الطريق لساعات، كنت في كل مرة أشعر بقلبي يدق بعنف، فلا أحد يعرف ما يمكن أن يُقدم عليه القناصة، المرارة البشرية، يقول الطبيب السلفي، قد تقود الناس لارتكاب الفظائع لأجل أن يشعروا أنهم قادرين على تسبب المرارة للآخرين. كنت أشعر في كل مرة أنني سأكون ضحية لمرارة أحد القناصة، لكن لم يحدث ذلك قط، كأنهم يمتلكون صوراً لي، أو أنهم يعرفون إحداثيات تحركاتي لسبب ما، كنت أنقذ العشرات من أوضاع مريعة، ففي تلك المرة التي تقاتل خلالها الأحياء، لأربعين يوما متتالية، قصفاً وهجمات بالدبابات مع استخدام كثيف لمضادات الطائرات باتجاه الأحياء، حوصر العشرات بين المباني، الأسواق، المدارس، المساجد، الطرقات الصحراوية، بعضهم أصيبوا داخل سياراتهم، خلال الساعات الأولى تلقيت مئات الاتصالات من أناس يطلبون مني إنقاذهم، أنت لن تصدق الأمر، كدت أجن، فالمدافع كانت تدك بالقرب من بيتي، رأيت انفجار سيارتي، فبدأت أعرف بأن حظوظي في الحياة انتهت، كانت المرة الأولى التي أفقد فيها شيئاً يخصني مباشرة في هذه الفظاعة التي يسمونها حرباً أهلية، كنت أتطلع من النافذة لأرى سيارتي مشتعلة، ثم رأيت النيران تخمد، ودخاناً أسودَ كثيفاً ينبعث منها، ما لبث أن بدأ يخف، حتى تلاشى عبر الأحياء الداخلية، كنت في منطقة شبه منعزلة، تذكرت حكاية حكاها لي ابن خالي، حين زرته لشرب الشاي، حين حكيت له ما قاله الطبيب السلفي، ضحك ثم قال، أخشى أن تغدو كالخفاش يا ابن عمتي، لا أنت إلى الحيوانات ولا أنت إلى الطيور، ستكون منعزلاً في كهفك. ابن خالي متشائم هكذا أخبرني الطبيب السلفي، فالحياة البشرية مهما غدت لا تقارن بالحيوانات أو الطيور، لكنني كنت تهت في خليط من المشاعر، فأنا بشري منعزل، ليس في كهف إنما في منزل من طابقين، بأفضل التجهيزات.

في هذه النقطة بالذات سمعت تلميحاً: “كيف يكون بوسعه بناء بيت كهذا؟ حتى المتخرجين من الكليات الطبية لا يستطيعون بناء هكذا بيت عصري، كيف بوسعه بناء منزل كهذا”.

لا يعرفون بأنني أعمل منذ كنت في العاشرة، بل يعرفون لكنهم ينسون، بل لا ينسون إنهم يريدون أن يصيبونني في شرفي، كرامتي، إنهم يرغبون في جعلي أشعر بالمرارة. بالرغم من أن ابن خالي يقول بأنهم ليسوا سعداء، بسبب قدرتي على التحرك دون الخوف من القناص، تباً الأوغاد لا يعرفون أنني أكاد أفعلها على نفسي قبل إنقاذ أي شخص، ذات مرة خلال حرب الأربعين يوماً، أنقذت من بين من أنقذت طفلا في العاشرة، ربما، كان مصاباً بعيار في رجله، كانت رجله تتدلى، لا يمنعها من الانفصال إلا مزق الجلد والملابس، حين ركضت به إلى العيادة الميدانية، ووضعته بين يدي الأطباء، كانت أمه تصرخ بالقرب منه، التفتت ناحيتي، ثم بدأت تصرخ في وجهي مفجوعة:” لماذا، لماذا تفعلون بنا هذا؟ لماذا يفعل أصحابك هذا؟”.

هكذا قالت في وجهي، كانت من عشيرتي، عندها أحسست بالدوار وأنا أتطلع إليها، في تلك اللحظة سمعت إحدى العجائز تهجم على السيدة، وهي تبكي، التي هاجمت كانت إحدى خالاتي، كانت تدافع عني، لكنني شعرت بأني أعاني دواراً هائلاً، بدأت بالتقيؤ مادة صفراء، لم أعرف ما حدث، شعرت بأني سأتقيأ روحي على الأرض، تمنيت أن أفعل، لماذا لأجل ماذا لا أعرف. حتى إنني تلقيتُ اتصالاً من شخص آخر، يكاد يبكي، قمتُ متعثراً، القنابل تنفجر عبر الأجواء، كنت أرى أضواء الرصاص الحارق، تشتعل كنيازك بعيداً وأصواتها كطبول أفريقية تدوي في عدة جبهات، تكاد تقسم رأسي نصفين وأنا أقود سيارة تويوتا ميتشبتي عبر المتاريس، العجلات المحترقة وأعمدة الكهرباء المتساقطة، هكذا حتى فقدت وجهتي الحقيقة، لم أعرف في نهاية يومي كم مكالمة تلقيت، كم شخصاً أنقذت، كانوا مشتتين في ذهني، أعين دامعة، صارخة، خذ الأولاد أولاً، خذ الأولاد، أعود لأجده مذبوحاً، أعود بجثته المذبوحة إلى أولاده، لا تنسني، أرجوك لا تنسني، أبقى، لا تقتلني أرجوك، لا تخف، أنا الميكانيكي، أوه، بكاء متواصل. حين ألقي بجسدي في منزلي، تكون الشمس تشرق عبر الأفق، تسكن الإطلاقات، ليغمى علي، ربما لساعتين، أستيقظ بعدها، أكثر إنهاكاً، أعبر منزل، أتتبع زوايا الجمال فيه، أحاول أن آكل، حالما أنتهي من وجبتي، أشرع بالتقيؤ مباشرة، جسدي نحل، بدأت أسمع أصواتاً حتى وأنا نائم، أقوم مفزوعاً كطفل مرتعب، أتلقى مكالمات، أذهب مسرعاً لحيث تطلبني، لأجد فراغاً مليئاً بالشمس، لا أحد اتصل، مرة دفنت وجهي في المخدة، تلك المرة الوحيد التي أحسست فيها برغبة بوضع رأسي على صدر فتاة، تلك المرة الوحيدة، ربما الأولى التي شعرت فيها برغبتي بالاقتران، منذ سنتين كاملتين، كنت في دوامة هائلة، مطلقاً، لا يمكن. قبلها بسنوات خطبت فتاة، تخرجت بعد أن خطبتها في حفل صاخب، قبل الحروب الأهلية، الفتاة تخرجت محامية، حملت شهادة كبرى، ثم بدأتُ أسمع أصوات الناس من حولي، محامية وميكانيكي، بالنسبة لهم الأمر مستحيل، عن ماذا سيتحدثان، مرت ستة أشهر، اتصلت الفتاة، معلنة بأنها لن تحتمل الأمر، كنت أحببتها كما لم أفعل حيال أحد، كانت ذكية وتتحدث عن أمور كثيرة أجهلها، تتحدث وأنا أستمع كأنها تغني لأجلي، لكنها قالت إنها لن تحتمل ما يجري وإنها ليست مذنبة.

قلت لها: “لست مذنبة، أنتِ لست مذنبة”.

“أرجوك، افهمني”.

“أفهمك، أنتِ فقط لست مذنبة، إنه أنا”.

تمنيت في تلك الليلة لو طلبت منها أن تبقى معي، لكنني لم أفعل، حتى إنني لم أبكِ، بل نزلت وبدأت أفحص إحدى السيارات، في تلك الليلة، على تلك المخدة اللعينة، بكيت كل شيء، أضحك الآن لكنني في تلك الليلة، لم أعرف ما أفعله سوى هذا، مع كل لحظة أستمر فيها باكياً كنت أشعر بالراحة، وبالرغبة في الحياة أكثر، حتى إنني في اليوم التالي، حملت كل شيء، لأهجر البلدة. ما زلت أذكر الطرقات، حين دفنت نفسي بين ضحايا الحرب، الذين جاءت طائرة خصيصاً لتنقل الجرحى منهم إلى طرابلس، تكدسنا، شعرنا بالطائرة تحلق، بالارتجاجات، ثم هدوء مطبق، عرفنا بعدها بأننا فارقنا أرض الموت، لنهبط بعد مدة وجيزة على أرض مطار طرابلس، لا يمكن تصور الهواء النقي، الذي تنفسته. عبرت الطرقات، ذهبت لأقرب مصرف، سحبت أموالي، مقرراً السفر بطريقة ما بعيداً.

أتصدق ما يحدث، قبل أيام سمعت أنهم في البلدة يتهمونني بقتل أحدهم، قيل بأنه كان يستخدم منزلي كمقر للقنص، أما أهلي فيقولون أنني سمحتُ لهم بالقنص من فوق بيتي وهذا يفسر تركهم لي أعبر الطرقات. القتيل الذي سقط من البيت، تم ذبحه وتركه هناك، تلك منطقة لا يدخلها أحد من العدو كما قالوا إلا شخصي الكريم، تم حرق بيتي، تسويته بالأرض، منزلي الذي تعبت لأجله طوال حياتي، تمت تسويته بالأرض، رأيت مشاهد على مواقع التواصل وهم يحرقون بيتي، استمعتُ لأصواتهم، أعرفهم واحداً واحداً، أصواتهم مميزة، لا يمكن إلا معرفتهم، ليتني لم أعرفهم، إنهم جيراني، لطالما دعوني لوجبات في بيوتهم، يسألونني عن كيفية عثوري على هذه الأفكار.

“إنها أفكار تركية”.

أقول لهم منشرح الصدر في ذلك العصر، فيما كنا نأكل حبات العنب، قلت الكثير، قلت وأقول لك الآن بأن الحياة تغدو قذرة على الدوام، ساعدتُ الشركة التركية في تشغيل بعض الآليات، لم يستطع مهندس ألماني تشغيلها، فوق ذلك تقاضى مرتباً ضخماً منهم، عبثاً.

كنتُ أعرف الأتراك، الأتراك قذرون، يتقاضون بدورهم أموالاً ضخمة من بلادنا ولا يعملون شيئاً، حتى إنني لا أعرف أمراً بناه الأتراك، كل ما هنالك تركه الطليان الاستعماريون، لكن الشركات التركية في كل شبر من البلاد، حتى إنهم مجانين، تقاضيت منهم مبلغاً بسيطاً لقاء تشغيل تلك الآليات، ثم ولأنهم أوغاد مجانين، عرضوا على خريطة منزل عصري، كما قالوا لي وقتها، منزل عصري، نظرت، أعجبني الأمر، فقررنا بناءه، ثم تقاضوا مني مبلغاً ضخماً لبنائه، الأتراك الأوغاد، العمال كانوا من بنغلاديش، لأن عمالهم لا يستطيعون العمل بعيداً عن آلياتهم، تلك التي قمت بتشغيلها لأجل عمالهم، أرسلوا بنغلاديش، قصار القامة، ذوي بشرة مغبرة كأنهم مرضى، يهزون رؤوسهم بلا سبب، كانوا بصحبة المقاول، كان سورياً بوجه أحمر، وأنف مليء بالعظام، لم أرَ في حياتي أنفا عظميا كأنفه، كان يبدو وكأنه يتكلم باستخدام أنفه، أكره الأنوف غير المفهومة، أكره هذه الأنوف، لأنها تظهر أصحابها بمظهر الغباء، إنهم أغبياء، هكذا شعرت، وهكذا حصلت على منزلي، بشكل غبي جداً مخطط تركي، مقاول سوري وعمال بنغال، أتعرف معنى أن يحدث هذا في منزلك، أمر غير مفهوم، حتى إنني أعجبت به، ربما يعجبنا ما هو غير مفهوم، ألهذا لهم ولع بالحروب كونها غير مفهومة، إنها حياة قذرة يا رجل.

لا يمكن فهم شخصية جيراني، لكنهم أحرقوا منزلي، عندئذ فهمت شخصيتهم، كلما أتذكر أحاديثي معهم، أشعر بأنهم كانوا على الدوام، طوال ثلاث سنوات، يتحدثون معي عن بيتي فقط، إنني فعلاً أفهمهم جيداً، لا أحاديث حقيقية، فنحن مثلاً لا نتحدث عما أشعر به أو يشعرون به، لا نتحدث عن تلك الأشياء الصغيرة التي تجعلنا مترابطين، لا أعرف ما هي تلك الأشياء التي تجعلنا مترابطين، لكن يجب أن يكون هناك شيء يجعل منا مترابطين، شيء في الأحاديث، لم نكن نتحدث بتلك الأشياء بل نتحدث على الدوام عن الشركات التركية ومنزلي. كثير من الأشياء تبدو مزيفة، بيني وبين جيراني المقربين، كثير من الأشياء الصغيرة التي تجعلنا غير متوافقين. حسناً، إنه أمر قذر على كل حال، حتى لو كان الإنسان متعلماً أو متديناً، فإنهم ينجحون في جعله متعصباً، لا تستغرب، فأنا أعرف كلمة التعصب، لأنني عشته، لا أعرف كيف يمكن نكران الأمر. رأيت طوال السنوات الأخيرة من حياتي، الهجمات والقتل والحرق والبكاء، إنها أشياء تحدث فجأة، أنت أسود، وهذا أبيض، عربي وغير عربي، مسلم ومسيحي، سني وشيعي، إنها أمور تحدث، المجتمعات تعرف بأنها تحدث على الدوام، دورنا هو أن نكون وقوداً، ليس أكثر. أنت تسمعني ولا تصدق، لكن اسمعني جيداً، لست أريد الحديث في السياسية، أعرف بأنك مللت كونك سياسياً، لكن أنت تكتب في الصحف كما قلت، تكتب، أجل قليلون من يكتبون في الصحف الحقائق، أنظر إليك وأظن بأنك تكتب الحقائق، اسمعني جيداً، هناك شخص تم حرق منزله، طرده من بلدته، اتهامه بالقتل ظلماً، بعد أن كان كأي طبيب، يقوم بمساعدتهم على العيش أكثر، لماذا تحدث هذه الأمور؟! أتعرف؟ أتظن بأنك تعرف، هل أنا مهم بالنسبة للكتب، هل تظن بأن قصتي تنفع لشيء، أنظر أنا أطلب منك لتكتب، قصتي”.

“سأفعل”.

” ليس مهماً أن تكتب، اليس المهم أن يقرأ الناس؟”.

“أظنهم سيقرؤون”.

“أنظر، سأترك البلاد، هل من الجيد أن تكتب هذا”.

“سنرى”.

“إنني متهم بالقتل، لم أقتل، لكنني متهم على كل حال، في هذه الأيام ليس مهماً أن يكون الشخص قاتلاً أو أي شيء، المهم أن يكون متهماً”.

“كيف ذلك؟”.

“لا أعرف، وإلا لم أنا متهم مع إنني لم أقتل، حتى إن أهلي يتصلون بي، مستغربين من فعلتي، يعتقدون أن هروبي سببه القتل”.

“غريب!”.

“ماذا؟”.

“أن يتهموك بالقتل”.

“غريب ولا أفهم ما حدث، أتعرف؟ بدأتُ أرى الكوابيس، أرى كوابيسَ مرعبة، أرى نفسي قاتلاً، لا، لا، لا لا فقط أرى نفسي متهماً، كيف يحدث كل هذا إن لم أكن قاتلاً، كيف؟”.

“لا أعرف حقاً”.

“لا تهتم، فقط أتساءل، منذ حدث وأنا أتساءل: هل كل ما يحدث من قتل حقيقي، حين يقولون بأن فلاناً قاتل. هل يكون قاتلاً بالفعل، هل القتلة الذين تم قتلهم، في الشوارع حقاً قتلة. قد يقتلونني غداً في الشارع، قد يفعلون، لا أردي لكنهم قد يفعلون، أنظر إليك، أنت لا تعرفني لكنك من أهلي، اسمع أنت لا تعرفني، لكنهم قد يقتلونني، لا أعرف حتى لماذا أضحك، أشعر بالرعب، لست جباناً، لكنني بريء، فقط، لذا سأبتعد، أنظر، فقط، سأبتعد، إنها أرض ملعونة، صدقني، أحياناً أظن بأن كل شيء حدث نتيجة خطأ، هذه الأيام لا يموت إلا الذين هم مثلنا. لكنني لا أهتم حتى. سأموت. سأعيش. أنا لا أهتم”.

يديه ترتعشان، عيناه طائشتان، فيهما عتمة غريبة، كان مرتبكاً بشدة، يصر على أسنانه، حين نزلت من الحافلة بعدها بساعة، لم أكن أشعر إلا بأن الوقت، يمضي. حتى وأنا أجلس لأكتب بعجالة ما حدث له، أخذت الكلمات، تصعب علي ترجمتها، فحديثه كان بلغة حميمية جداً بالنسبة لي ككاتب مبتدئ. إنها جزء من حكاية من طريق آلام الثورة الليبية.