استعراض رواية “زرايب العبيد” للكاتبة نجوى بن شتوان نشر دار الساقي ببيروت، 2016

عفيفة لطيفي

منذ صدورها عام 2016 ورواية زرايب العبيد لنجوى بن شتوان تحظى بثناء الأوساط الأدبية في العالم العربي. فقد كانت ضمن القائمة القصيرة للجائزة الدولية للرواية لعام 2017[1]، وتم الترحيب بها بصفتها أحدث أعمال الأديبة الليبية التي يجب ترجمتها كون الرواية كتبت أصلاً باللغة العربية ولم يتوفر منها إلا اقتباس واحد مترجم للإنجليزية[2]. نُشِرَ للكاتبة روايتان قبل زرايب العبيد وهما المحتوى البرتقالي (2008) ووبر الأحصنة (2007) التي تحصلت على جائزة مهرجان البقراوية السودانية. وفي عام 2019 ذكر مشروع بيروت39 بن شتوان ضمن قائمة أفضل 39 كاتب عربي تحت سن الأربعين لكتابتها قصة قصيرة بعنوان “سيرة البركة والبيانو، نشرت في الأنطولوجيا “بيروت 39”. أما قصتها القصيرة “تذكرة العودة” فقد ظهرت في “أنطولوجيا الحظر: قصص من الأمم غير المرغوب فيها”(2018) وهي أنطولوجيا للكتابة الإبداعية من الدول الإسلامية  السبع التي شملها ما يسمى بحظر المسلمين.[3]

أحيت رواية زرايب العبيد ذكرى العبودية الدارسة في ليبيا العهد العثماني في القرن العشرين. تلج الرواية عبر الصور الارتجاعية المتواصلة للراويين ’عتيقة وعلي‘، تلج إلى قصص حياة أولئك الذين جرى تهجيرهم من أجزاء أفريقيا الواقعة جنوباً لينتهي بهم الأمر في خدمة أولئك الواقعين على سواحل القارة الشمالية. فالرواية تسبر أغوار التواريخ الدقيقة لدواخل الإماء السود في تلك الفترة. بتمسكها بالذكرى الهالكة للرقيق العابر للصحراء، تسترجع بن شتوان شذرات قصص استرقاقهم وحياتهم بعده، ملقية الضوء على الحقائق الاجتماعية والاقتصادية التي توجه الحراك المحدود لأوضاعهم الاجتماعية التي تتأرجح بين الرِّق والتسَّري والبغاء.

تتبع القصة حياة الأمَة السوداء تعويضة ومحمد بن شتوان، رجلٌ ليبي يملكها ويتسَّرى بها بالإضافة إلى زوجته. بينما محمدٌ في رحلة تجارة، تقوم عائلته بتزويج تعويضة لعبدٍ وتقتل ابنها، وتخفيها في مواخير المدينة. تتمكن تعويضة بعد ذلك من الهروب من الماخور لتبدأ حياة جديدة في ضواحي بنغازي في حي الصابري، لتلد هناك مولوداً آخر لمحمد، بنتاً اسمها عتيقة، تربيها بنفسها مع ابنٍ آخر بالتبني، مفتاح.

خلال سرد قصة حياة تعويضة، يتكشف لنا التطبيع المتنافر لتحويل العبيد إلى سلع يمكن نبذها بسهولة واستخدامها في التعاملات التجارية. ويتم جردهم في قوائم شحنات “الملح” و”الدقيق” بينما تتأرجح حياتهم بين الضرورة والعشوائية. تبين يوميات حياة تعويضة تحت نير الرِّق انحصار الجسد المسترق في حالة استثنائية تحت وطأة النظام السياسي العضوي لذلك الزمن. فبالرغم من حفظها كمحظية منزلية للذة، إلا أنه فوراً يتم التضحية بها عبر محاولات عائلة محمد العديدة لإرسالها لسوق النخاسة، تزويجها لعبد، وفي النهاية إخفائها بعيداً عن متناول يد ابنهم. غير أن قبول تعويضة لدورها في اقتصاد الرِّق الشهواني لا يحميها من الحياة على الكفاف، حيث في سبيل الحفاظ على العلاقة المعتادة بين محمد وزوجته “الشريفة” يتم تحويل تعويضة مرة أخرى إلى سلعة قابلة للطرح في منصة مزاد سوق النخاسة. لا تبين لنا عمليات الإجهاض العديدة الإجبارية التي تعرض لها جسد تعويضة بدون علمها عجزها فحسب، بل تحويل كلاً من نسل السود ونسل السيد والأمَة إلى أموال منقولة[4].

لا يحتاج المرء لأن يستعرض مشاهد الاستعباد ليتصور فظاعة مؤسسة الرِّق، إلا أن الرواية تنكأ جراح حياة الرّقيق البائسة، خاصة النساء منهم. فبينما تتحمل تعويضة مزاد النخاسة، وهي واقفة مكشوفة الثديين، تعطينا الرواية لمحات عن شناعة وضعها. فعلى عكس الفرضية السائدة التي تصور الرِّق في العصر الإسلامي لطيفاً ومضاداً لنموذج الرِّق وعبودية المزارع الأمريكية، تثبت الرواية مدى الإساءة التي كانت تتعرض لها حياة الرَّقيق وأجسادهم في المجال المنزلي العارض. فلقد ضل القضاء الإسلامي والأعراف الاجتماعية اللذان يحافظان على العبودية صامتين تجاه الظلم الواقع على المرأة المستعبدة.

وعلى قدم المساواة، تقوم القصة بتعقيد فهمنا لعملية الانعتاق الممنوحة للإماء اللائي يلدن أبناء ساداتهن. فالطفلة التي تحملها تعويضة من محمد لا تُخلِّصها من الرِّق ولا تصبح تذكرتها الرابحة نحو الحرية. على عكس الإماء اللائي اندمجن في نظام التسَّري، تفشل تعويضة في التمتع بوضعية “أم الولد” (وهي الأمَة التي تنجب لسيدها ولداً وبذلك تعتق عند وفاته). فقد تبين أن فرضية أن الأمة تعتق بشكل آلي عند إنجابها نسلاً مختلطاً هي عبارة عن عملية معقدة لا يمكن تطبيقها بسهولة على الجميع. فحب سيدها لها لم يرفع من قدر تعويضة أعلى من مستوى المحظية بل زاد من تجريمها أكثر باعتبارها أمة سوداء ساحرة. فكلما زاد ارتباط محمد العاطفي بها، زادت استهانة عائلته بمشاعره واعتبارها من آثار السحر الأسود الذي تتهم محظيته بإجادته.

في لقائها مع قناة بي بي سي عربي[5]، شددت بن شتوان على دور التاريخ الشفوي والذاكرة الجمعية في مساعدتها على إعادة تخيل قصص رقيق ذاك الزمن الذين طال صمتهم. فعلى الرغم من انحيازها، يترك الاعتماد على مثل هذه الذاكرة الجمعية الانتقائية آثاراً لا تزول على العمل الروائي. الظاهر للعيان من خلال فصول الرواية أن المؤلفة لم تعتمد على ذخيرة تاريخية مدونة راسخة. فعبر الرواية كلها، نادراً ما تشير المؤلفة للفترة الزمنية أو تلمح للأحداث السياسية التي قد تدل القارئ على الفترة التاريخية التي تجري فيها. تجاوباً مع نضوب الكتابات التاريخية عن الرِّق، لا تنجح الرواية إلا في التقاط شعور مبهم بالتاريخ بحسه وذاكرته الجمعية. فعلى الرغم من أنها مؤرخة متخصصة[6]، إلا أن بن شتوان فضلت أن تحاكي السرد المحفوظ في الذاكرة الجمعية ويعاد من جيلٍ إلى جيل، متقدمة ومتأخرة في ذاكرتها المستحدثة دون أن تلتزم بخط روائي متسلسل[7]. اللحظة الوحيدة التي نُمنَح فيها إحساساً بزمن الأحداث هي عندما تذكر بن شتوان الإرسالية الإيطالية والحركة السنوسية، مشيرة بذلك إلى مركزية الطريقة السنوسية للرق في ليبيا.

تثير الرواية تساؤلات ملحة حول الوضع القانوني للشخصيات والمجال الاجتماعي التي تشغله. فقد يتساءل المرء، هل كانوا عبيداً آبقين أم عُتقاء؟ وفي حال كونهم أحراراً، كيف أُخرِجوا من مؤسسة الرِّق، خاصةً وأن وقائع الرواية تحدث قبل إلغاء العبودية في ليبيا. حتى بوضعها القصة في زرايب العبيد الهامشية في بنغازي، لم تعطِنا المؤلفة أيّ لمحةٍ عن سياق تأسيس هذه العشوائيات الهامشية. من الجدير بالذكر أن زرايب العبيد التي يحملها الكتاب عنواناً له ليست من وحي الخيال فهي كانت موجودة فعلاً في بنغازي العهد العثماني بحسب المؤلفة المولودة في بنغازي. فهي تحدثنا في المقابلة المذكورة أعلاه عن رؤيتها هذه الزرايب، في صورة يعتقد بأنها تعود لرحالة إيطالي مجهول قبل الاحتلال الإيطالي لليبيا، على مكتب أحد أصدقائها. عندها استحوذ الأشخاص الأربع موضوع الصورة على خيال المؤلفة وأوحوا لها بتقصي “زرايب العبيد” وانتهى بها الأمر بكتابة الرواية.

يضل الاستخدام غير المنضبط للمصطلحات خللاً لا يمكن إنكاره كان على المؤلفة تصحيحه. فبن شتوان تستخدم المصطلح “أفريقيا” لتشير لبلاد شخصيات الرّقيق الأصلية في الرواية. بإشارتها هذه لجانب جنوب الصحراء بالمصطلح المثقل تاريخياً والغير ممِّيز “أفريقيا” يبين مدى مشاركة المؤلفة نفسها في ترسيخ بتر ليبيا وشمال أفريقيا برمتها عن باقي القارة. كما أن استخدامها للشتائم والألفاظ المهينة في الإشارة للشخصيات السوداء أمرٌ مقلقٌ كذلك. فالنعوت التي تستخدمها عتيقة، ابنة تعويضة، لوصف درجات وتنويعات لون بشرة بعض الشخصيات السوداء تبدو كما لو أن الراوية نفسها ليست سوداء. وبهذا تبدو الرواية كما لو كانت تتذبذبُ بين صوت عتيقة وبين صوت بن شتوان [الراوية] العليمة، التي تتسرب آراؤها وفضولها وعدم معرفتها بهذه الهويات إلى صوت عتيقة. فمفردات مثل “زنجي” و”شوشان” و”عبد” و”خادم” تبدو متطابقة مع اللون الأسود، وهو بدوره مرادفٌ لحالة الرِّق. كما إن الكاتبة عند تسميتها شخصيات الرواية لا تبذل أي مجهود لتوضيح معاني اسمائهم. فاسم “عتيقة” مثلاً معناه الـمُحرَّرة، غير أن المؤلفة لا تكشف لنا شيئاً عن سبب إطلاق أمها تعويضة هذا الاسم عليها. لماذا قررت تعويضة أن تثقل كاهل ابنتها باسم ذي إيحاءات معضلة؟ كما يضل اختيار المؤلفة للقب العائلي لشخصية محمد في الرواية، بن شتوان، مثيراً للتساؤل كذلك لأنه نفس لقب عائلة الروائية. لماذا تثقل نجوي بن شتوان كاهلها بمسؤولية كهذه أمام شخصياتها؟ وعند سؤالها عن اختيارها هذا، أجابت بأنها لم ترغب “في أي صدام مع حساسيات أناس حقيقيين” عند استخدامها أي لقب عائلة ليبية أخرى[8]. لكن من المحير أنه في عمل يحتل فيه العرق واللون موقعاً مركزياً لم تبذل الروائية أي مجهود لتوضيح المعاني والتواريخ والأسباب وراء اختيارها هذه الاسماء والمفردات. بينما يقاطع صوت الراوي العليم تيار وعي كلاً من عتيقة وعلي عبر الرواية كلها، يضل قرار بن شتوان في إعارة اسمها للعائلة المالكة للرقيق يثير مزيداً من الأسئلة عن الجنس الأدبي للرواية وعن مدى احتوائها على نواة نص سيرة ذاتية.

وبالرغم من أوجه القصور هذه التي تم التغاضي عنها عمداً، تضل شجاعة الروائية في التعرض لموضوع الرِّق المحرم أمراً يستوجب الثناء. مع أنها من وحي الخيال، إلا أن الرواية الأولى من نوعها في محاولتها جمع، وتصور، وتجسيد شخصية الأنثى المستعبدة. فبشكل عام لم يتم تناول سؤال الجنس فيما يخص الرِّق في روايات شمال أفريقيا إلا فيما ندر. الحالات الاستثنائية الملحوظة هي “أحلام التعدي” لفاطمة مرنيسي (1994)، و”محا المعتوه، ومحا الحكيم” للطاهر بن جلون (1978)، و”دفننا الماضي” لعبد الحكيم غلاَّب (1969) الذي تم فيها التلميح بالموضوع على استحياء. وبهذا يمكننا القول بأن “زرايب العبيد” هي ثاني رواية شمال أفريقية تاريخية تتمركز حول الرّقيق الأسود، بعد رواية الكاتب التونسي البشير خريِّف “برق الليل” (1961).

إن نقص السرديات الروائية عن الرّقيق من مرحلة رق جنوب الصحراء يجعل من مهمة إعادة تجسيد المخرسين أمراً في غاية الصعوبة. فلا يستطيع المرء أن يلتقط الإحساس بالتاريخ إلا عن طريق استرجاع هذه الذكريات الباهتة من خلال الروايات الخيالية ويصل إلى ما قد يحاكي شهادات الأرشيف الضائع. وفي استعادتها لهذا التاريخ الدفين، قامت الكاتبة الليبية بشكل رائع بتجسيد المرأة السوداء المستعبدة التي يصفها المؤرخ شوقي الهامل “ببطلة رق شمال أفريقيا التراجيدية[9].”

……

هوامش:

[1].          https://www.arabic5ction.org/en/2017-shortlist-announced

[2].  سعاد حسين ومارسيا لينكس كوالي، ” قطعة مقتطفة من رواية نجوى بن شتوان الواردة ضمن جائزة القائمة القصيرة للرواية العربية زرايب العبيد، المصدر:

https://arablit.org/2017/07/10/an-excerpt-from-najwa-bin-shatwans-international-prize-for-arabic-5ction-shortlisted-slave-pens/.

ترجمت الرواية كلها الآن إلى اللغة الإنجليزية ونشرت بعنوان ساحات العبيد (منشورات جامعة سيراكوزا،2020 ). مع ملاحظة أن هذا العرض الحالي يسري على النص الأصلي باللغة العربية.

[3]. القرار الرئاسي الذي أصدره الرئيس الأمريكي ترمب بحظر سفر مواطني الدول الإسلامية السبع إلى الولايات المتحدة. (المترجم)

[4].  بمفهوم أغامبين، أنظر جورجيو أغامبين، مهدور الدم . سلطة السيادة والحياة المجردة. (منشورات جامعة ستانفورد، 1998)

[5].  “عالم الكتب: “زرايب العبيد” وتراث الرِّق” (بي بي سي عربي، 8 يوليو/ تموز 2017) على موقع

http://www.bbc.com/arabic/tv-and-radio-40543199

[6].  تحصلت بن شتوان على درجة الدكتوراه في تاريخ ليبيا العثماني من جامعة سابيينزا في روما في عام 2017.

[7].  أنظر حديثها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في عام 2017،  https://www.youtube.com/watch?v=HvvoAjghapY

[8].  “عبيد أحرار مفتخرون بجذورهم في ليبيا العهد العثماني” حوار مع كاتبة رواية “زرايب العبيد” الليبية (قنطرة، 5 مايو 2017)  في

https:// en.qantara.de/content/libyan-author-najwa-binshatwan-on-the-slave-pensconfronting-a-dark-chapter

[9].  شوقي الهامل، “المغرب السوداء: تاريخ الرِّق والعرق والإسلام” (منشورات جامعة كامبردج، 2013)، 11.