اقتفاء أثر مشهدٍ متلاشٍ: عن ذاكرة ليبيا الثقافية

تسنيم قطيط

ما معنى الحديث عن ذاكرة ليبيا الثقافية؟ أي متاحف علينا زيارتها، أي أرشيف علينا البحث فيه، أي تاريخ شفوي وتُحَف علينا جمعها، لنبدأ نحكي قصة ليبيا؟ قدم لنا معرض “اقتفاء أثر مشهدٍ متلاشٍ،” المنعقد في غاليري P21 في لندن، لمدة ستة أسابيع بين مارس ومايو 2018، قدم لنا فرصة نادرة للبحث عن إجابة لكل هذه الأسئلة. أزمع المعرض، الذي أشرفت على تنظيمه نجلاء العجيلي، على عرض “تجارب الناس المباشرة عن الذاكرة وانبهارهم بها، والتاريخ الشخصي والسرديات الجمعية التي تنشأ فيما يخص ليبيا الحاضر.” يُعقَد على جانب المؤتمر ندوات ومحاضرات يلقيها فنانون وكُتَّاب وأكاديميون، منهم الروائية نجوى بن شتوان، الشاعرين خالد المطاوع وفرح فراي، المخرجة جيهان الكيخيا، والأكاديميين آدم بن كاطو وبربارة سبادرو، وآدم ستيب-ريكاوسكي وغاي مارتن اللذان يناقشان صورهما عن طرابلس وبنغازي على التوالي.

عرَّف موريس هالبڤاكس، قبل قرنٍ ونيف، الذاكرة بأنها ظاهرة اجتماعية. وفي السنوات الأخيرة، وصِف الاهتمام بالذاكرة الثقافية والإرث بأنهما صناعة الذاكرة، عادةً في معرض انتقادها كونها صارت تشخيصاً مفرطاً للتاريخ، مرتبطةٌ بتمركز الصدمة النفسية والإيذاء. جادل كروين لي كلاين أن “أحد أسباب ارتفاع الذاكرة المفاجئ” هو أنها “تعدنا بأن تسمح لنا بأن يكون لدينا جوهريتنا وأنه يمكننا إعادة بنائها أيضاً.” إن الحديث عن الذاكرة الثقافية هو الحديث عن التاريخ الذي يخصنا، بحسب كلمات جين آسمان، عن الذاكرة كونها معرفة مزودة “بدليل هوية.” الجوهرية متداخلة مع الأسئلة التي نطرحها والقصص التي نحكيها لأنفسنا عن أصلنا وهويتنا. من نشمل، ومن نقصي عندما نرسم الحدود حول هوياتنا الإثنية والوطنية والثقافية والدينية.

في عهد القذافي، كانت اللافتات في طول البلاد وعرضها تحمل ملصقات لخريطة دولة مسننة الحواشي غامقة اللون تشع نوراً رحيماً على قارة أفريقيا. بدت هذه الصورة ملائمة بشكل عجيب، فهي تمثل ليبيا كما لو أنها قطعة أحجية ناقصة، لافتةً الانتباه إلى غيابها عن السرديات الخارجة عنها. ففي سرديات النظام، كانت ليبيا منارة الفكر التنويري التي تشع نوراً عبر جنوب الكرة الأرضية، لكنها في الواقع تبدو أنها تشكل فراغاً، لغزاً، شَرطةً تربط بين الدول التي تشكل منطقتي المغرب والمشرق العربيين. في سنوات النظام الأخيرة، لم تكن ليبيا تذكر في الأخبار الناطقة بالعربية إلا نادراً، بينما ذكرها في الإعلام الغربي كان أشد ندرة وغالباً مرتبط بفاجعة لوكربي، بطرق المهاجرين، أو، بعد غزو العراق، بتسليم الأسلحة خلال المصالحة، وصورة توني بلير يصافح القذافي بجدية تحت الخيمة المزخرفة.

دخلنا، منذ ثورة 2011 وسنوات الصراع اللاحقة، في عصر يواجهنا فيه يومياً سيل من الصور والسرديات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسرديات جديدة تثبت وترسخ ما حدث قبل أيام قليلة في ما يبدو لنا وكأنه عملية دائمة التصعيد. في زمن الصراع الأهلي هذا قد يبدو مفهوم الذاكرة الثقافية رفاهية وتلهفاً للحنين للماضي. غير أن أستريد إيرل تقترح أنه بالذات في أوقات الأزمات “لا نستطيع أن ندفع ثمن رفاهية عدم دراسة الماضي،” لأننا نحتاج أن نفحص “النماذج التي تشكلت عبر عملية تاريخية طويلة […] لفهم الطرق المختلفة التي تعامل بها الناس مع الوقت، وهذا لا يشير إلى قيامهم ’بالعمل عبر الماضي‘ فحسب بل يشمل أيضاً فهمهم للحاضر ورؤيتهم للمستقبل.”  وكما يقول إدوارد سعيد، “تتطرق الذاكرة وتمثيلاتها بشكل محدد إلى أسئلة عن الهوية والقومية والسلطة والحكم.”  تحثنا حالة التشظي والانقسام التي يعاني منهما المجتمع الليبي اليوم على التشبث بالعمليات التاريخية التي أوصلتنا إلى وضعنا الراهن، لأهدافٍ ليس أقلها محاولة تصور رؤى بديلة لهوية وطنية يمكن تكوينها في المستقبل.

جمع معرض “اقتفاء أثر مشهدٍ متلاشٍ” أعمال ما يربو عن عشرين فناناً، مرتبطة بطرق متعددة بالحفاظ على التفكير في الذاكرة الثقافية والوطنية، من السرديات الشفوية ومشاريع مستمدة من ألبومات صور عائلية وتستجيب لها، إلى لوحات وقطع فنية معاصرة تعكس سياق ما بعد 2011. كان اختيار عنوان المعرض موفقاً: فمفهوم الأثر يدل على شيءٍ حضوره يمثل غياباً، بينما اقتفاء ما يتلاشى ويضمحل من الذاكرة يدل على مجهودٍ يبذل في التخمين، في التتبع، وهو فعلٌ دوريٌ، متكررٌ وغير محسومٍ أبداً. دلت مساحة المعرض الصغيرة نسبياً على أن الأعمال الفنية المختلفة المتزاحمة، خليط من المواد السمعية والبصرية واللمسية، زرابيٌّ تتدلى على لوحات، صورٌ أرشيفية بجانب معروضات مجسمة، هي معروضاتٌ متجاورة متحاورة.

لعلَّ أشد الأحاسيس آنية بتلاشي الإرث تمثل في أنماط نسج المفروشات والفنون الشعبية اليدوية، تقف في فضاء المعرض شاهدةً على اضمحلال الفنون والتقاليد المحلية. في حالات أخرى تم سبر أغوار الاختفاء بالمعنى الحرفي للكلمة، وشمل هذا أعمالا عن المفقودين، أولئك الذين اختفوا أثناء الثورة، في عملٍ للمصور غاي مارتن عنوانه “المفقودون: إعادة تصوير”؛ يشير العنوان إلى أن هذه صورٌ لملصقات تحمل أسماء المفقودين ووجوههم. إن رؤية هذا العمل، في وسط هذه المنتجات الثقافية والفنية، تجعلنا نصل إلى الإدراك المربك أن ليبيا صارت مكاناً يأتي إليه الصحفيون من بعيد ليصوروا العنف. مهما اعتاد المرء على هذه الحقيقة فهي لن تصير أبداً أمراً معتاداً. كما ركز العمل على الطبيعة المتجزأة لخطاب الأخبار: فالصور التي على الملصقات كانت أخباراً في وضع الإيقاف المؤقت، لحظات من الزمن. أين نجد باقي الخبر؟ من احتفظ بالسجلات؟

اختفاء آخر ظَهَرَ في عمل مارسيلا ماميلي-بادي وعلاء بودبوس وتقوى برنوسا الذي ركز على تمثال [ميدان] الغزالة في طرابلس. هذا التمثال الذي يصور امرأة وغزالة، وهو من معالم المدينة وتذكارٌ لماضيها الاستعماري، “اختفى” في عام 2014. هذا العمل عبارة عن صورة ثلاثية الألواح تعيد تصوّر هذا الاختفاء، وعلى الصور كلمات تتفكر في هذا الفقد. هل نقرأ هذا الاختفاء كعلامةٍ للقوى المتشددة التي تقرر تشكيل التجربة الثقافية بانتقائية؟ أم هل نحزن لاختفاء التمثال، وإذا حزنَّا عليه، كيف نوفق بين حس الفقد ذاك المصحوب بالحنين المريب المستشري للاستعمار وبين كآبة الأثر البغيض لمرحلة ما بعد الاستعمار التي يبدو أنها بلا نهاية؟

كان موضوع الحنين للماضي مشتركاً بين الأعمال في المعرض، من عمل ليلى شريف “الأغلى عندي،” الذي حوى أرشيفاً من صور عائلية، إلى أغطية الوسائد الموشاة المألوفة كماضٍ جميل في عمل ريم جبريل، “بحاسَّة التذكر،” التي كان الهدف منها “التأكيد على حاسة الشم كجزء من الذكريات المشتركة العديدة.” تصف جبريل “الخداع النفسي” في الحنين إلى الماضي، ولكن أيضا الطريقة التي “يسمح لنا فيها بأن نستمد القوة من الذكريات،” وتشير إلى قوة “الشوق إلى شيءٍ لم يعد موجوداً ولكنه يُعرِّف إحساسنا بالانتماء.” بينما ركز عمل جبريل على الشم، أعاد ملصق الفيديو لملاك الغويل “مندار” جوانباً من الذاكرة الثقافية للحياة، بما فيها شذرات من العمل الشعبي “بسباسي.” هذه الأعمال أخبرت عن موضوع إعادة تفسير ما يتلاشى وفهم ما يتبقى. فبحسب إيرل، مرة أخرى، هذه هي “إمكانات الحنين إلى الماضي الحاسمة” الذي “يبقي على إعادة بناء ’مستقبل ماضٍ‘ حية ويقارنها بالحاضر.” لا تتعلق الذكرى بالماضي بقدر تعلقها بإعادة بناء الماضي الفعالة والمستمرة في الحاضر وللمستقبل.

تصف سفيلتانا بويم الحنين إلى الماضي كالعمل على “تركيب صورة على أخرى — الوطن والخارج، الماضي والحاضر، الحلم والحياة اليومية،” هذا التركيب تصفه بويم بـــ”الصورة السينمائية للــــ”التصوير بالتعرض المزدوج.” هذا المنهج هو ما تتبعه جيهان الكيخيا في شريطها الوثائقي المتحرك، “البحث عن الكيخيا،” وهو عن اختفاء والد المخرجة، التي نسجت مقاطع فيديو عائلية لمنصور الكيخيا مع مقاطع إخبارية، ملتقطة الحاجة للعودة مرات ومرات للصور التي تبقى، والتي تحمل في ثناياها العبء العاطفي للعجز عن الحداد. سبر الكيخيا لأغوار الاختفاء وضلاله النفسية يتصل بعمل الروائي الليبي هشام مطر الذي سبر أغوار غياب أبيه بصيغة أدبية في كتابه “العودة: الآباء والأبناء والأرض التي بينهم” (2016). فكلاً من الكيخيا ومطر ينسجان الحياة في ضل هذه المأساة الشخصية غير المحسومة مع ثورة 2011، نهاية نظامٍ لا يقدم نهاية حاسمة للآثار المستديمة لما فرضه على الناس لما يربو عن أربعين عاماً.

يكتب هشام مطر في “العودة” عن حقيقة أنه يوجد عدد قليلٌ من الكتابات التاريخية الحديثة عن ليبيا، والكتابات المتوفرة على الأغلب كتبها مؤلفون غربيون. يخلص مطر إلى أن هذا النضوب في المراجع التاريخية يعني أنه “لتكون ليبياً يعني أن تعيش مع الأسئلة.” لم يسعَ “اقتفاء أثر مشهدٍ متلاشٍ” لأن يقدم إجابة شافية عن مثل هذه الأسئلة، ولكن ليستكشف ما يعنيه الصراع مع غياب الإجابات، الآن وفي المستقبل.